البيئة: الرحم الثاني والأم الكبرى الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن موضوع خطبتنا اليوم يذكّرنا بأن الأرض التي نعيش عليها ليست مجرد مكان للسكن بل هي أمّ كبرى ورحم ثانٍ يضمّنا ويُعْطينا الحياة، وهي نعمة عظيمة ينبغي شكرها وحفظها وإدارتها بضبط وعدل. إن البيئة آيةٌ من آيات الله وحِكْمتُه؛ بها يتجلّى الخلق، وبها تتكوّن الحياة وتستمر، فنحن نُخلف الله في الأرض ونُحافظ عليها بما يضمن استدامة الموارد وتقليل الضرر. فالتوازن بين الاستفادة من النعم والمسؤولية عنها هو معيار إيماننا وشرف أمانتنا. ولكننا اليوم نواجه تحديات جسيمة: إسرافٌ في الماء والطعام والوقود، وتلوثاً للهواء، وتدهوراً في التنوع الحيوي، وتغيرات مناخية تؤثر في الضعفاء قبل الأغنياء. وهذه العلامات تحثّنا على التوبة والعمل، لا على اليأس. فدورنا كأفراد وجماعات ودول يقتضي المبادرة والتخطيط: تقليل الهدر، وإعادة التدوير، وحفظ الموارد المائية، وزراعة الأشجار، وتبني أساليب حياة أكثر استدامة، وتثقيف المجتمع على قيم الرعاية والرحمة بالبيئة. فالله عز وجل يقول لنا: أنتم خلفاء في الأرض، فاحفظوا الأمانة وكونوا خُيرَ خلفاء. ختاماً، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لعملٍ يرضيه، وأن يجعلنا سبباً في إصلاح الأرض ورفع العطاء، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأموالنا وأعمالنا. اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تنشر هذه المادة توجيهات من وزارة الأوقاف حول موضوع يحث المسلمين على الحفاظ على البيئة بوصفه واجبًا دينيًا ووطنيًا، يربط بين عمارة الأرض وبناء الحضارة ورعاية الصحة العامة.
الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين، ونشكره شكر الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. أما بعد، فإن الله تعالى خلق هذا الكون بكل ما فيه وسخره لخدمة الإنسان من أرض وسماء وماء وهواء، وجعل ما فيه من الآيات علامة ودرسًا للعقلاء يتدبرونها. وهو الذي سخّر الليل والنهار والشمس والقمر والنّجوم ليهتدي بها الناس، كما بيّن تعالى أن اختلاف ألوان الأرض وثمَراتها دليل على قدرته ونبوّته. وأمر الإنسان بأن يعمر الأرض ويصلحها وينهى عن الفساد فيها، وهو سبحانه قريبٌ مجيب عندما يراجع العزم على الخير.
لقد جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم حافلةً بالنصوص التي تدعو إلى المحافظة على البيئة التي نعيش عليها، وتبيّن أن الإفساد في الأرض ليس من شيم المؤمن بل هو ظلم يرد علينا جميعًا. فالأرض الزراعية، بجمالها وتوازنها، تعد من أجلّ أسس البيئة، فالنبات يساعد على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين الذي نتنفسه، وهذا يبرز أهمية الزراعة والغرس كعمل صالح يعود بالنفع على المجتمع. وفي الحديث الشريف، وردت نصوص تشجّع المسلمين على الغرس وتُقرّ له الثواب العظيم، فما من مسلم يغرس شجرةً أو يزرع زرعًا يأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة. كما حذر الإسلام من قطع الأشجار بلا ضرورة، فإفساد الغابات وقطع الشجر بلا حاجة يفسد الأرض ويضر الناس.
أما الماء فهو ركيزة أساسية للحياة، فالإسلام يحث على عدم تبديده وإسرافه، حتى في الوضوء من ماء جارٍ، وينهى عن تلويث الماء الذي يعود بالضرر على الآخرين. كما حذر النبي من المَلاعِن الثلاث التي تضر بالبيئة وبالصَحة العامة، ومنها البول في الموارد والماء الراكد والطريق المظلل. وتؤكد الشريعة أن الله يحب النظافة والطهارة، وأن العناية بالنظافة من مظاهر الإيمان، وهو أمر يحث المسلم على تنظيف بيئته وعدم الإضرار بها.
إن ارتباط الإنسان بالبيئة ارتباطٌ عميق، فكما أن الطريق إلى الحياة يتصل برحم الأم وتدفّق الحنان، فكذلك البيئة هي التي تمدنا بمقومات الحياة وتتيح لنا العيش الكريم. لذا فإن الاعتداء على البيئة والحلول الضارة بالصحة العامة هو اعتداء على الدين والوطن والمجتمع، خصوصًا حين تُستخدم المبيدات غير المصرّحة أو تُسخَّر الموارد بما يضر الصحة. فالمسلم مطالب بأن يحافظ على البيئة نظيفة نقية، وأن يحذر من كل ما يفسدها أو يضر بها أو يضر الناس من حوله.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلدنا العزيز من كل سوء وشر، وأن يجعلنا من أهل الصلاح في حمايتنا لبيئتنا ورعاية مواردنا ونظافتنا وسلامة مجتمعنا.