شيخ الأزهر: العالم اليوم في أشد الحاجة إلى عدالة تستعيد سكينته

في كلمته خلال قمة عالمية عقدت في روما حول السلام، أكّد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أن مفهوم العدل المطلق يعُد القاعدة الذهبية التي قامت عليها السموات والأرض، وهو الإطار الذي يجعل البشرية ملزمة بحقوق الإنسان في المساواة والحرية والكرامة والأمان والسلام، ويعزز الإخاء الإنساني بين البشر رغم فوارق العرق واللون والدين واللغة.
وتناول أسس السلام ومسؤولية الحضارة المعاصرة عن إحداث التوازن، موضحًا أن إغفال هذه القيم العُظمى أدى إلى حروب عبثية فرضت على شعوب فقيرة وبلا سلاح كافٍ أن تسمع صدى قسوة القلوب من المعتدين، إضافة إلى أزمات اقتصادية كالفقر والبطالة والمجاعة، وتجزئة العالم بين شمال مترف وجنوب مثقل بالأزمات.
أشار إلى أن الأزمات الاجتماعية التي تستهدف عقائد الناس وثوابته الدينية وتصدير بدائلٍ منافية للأخلاق تقوّض الأسرة وتُنفِّر الذوق الصحيح وتُفقد الإنسان فطرته التي وُجدت عليها البشرية منذ عهد آدم عليه السلام، بما يعرّض منظومة القيم للتهشيم ويكرّس التخبط في مفاهيم الخير والشر والصواب والخطأ.
ولفت إلى أن ما ينقص الإنسان المعاصر هو «أخلاق العدل والعدالة»، فغيابها يجعل الظلم يتزيّى بالقانون وتنهار القيم حين تُفرض المصالح والأطماع المادية على الفقراء والضعفاء، ما يؤدي إلى مآسٍ وانتهاك للكرامة وإذلالٍ للإنسان.
وتابع أن دروس الحروب التي ابتُلي بها الشرق تعلّمنا أن شرارتها تفتح مسارًا من الأزمات الهائلة من تهديم دور وتشريد أشخاص وتجويع أطفال، وأنها تفضح خلل ميزان الحق وتُبرز واجب الفرد والضمير والإنصاف.
وعبّر الإمام عن تقديره للدول التي اعترفت بدولة فلسطين خلال أعمال الأمم المتحدة، مؤكدًا أن الاعتراف بهذا الحق خطوة عملية نحو تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. كما أشار إلى أن المجتمع الدولي اليوم يرى في حل الدولتين الطريق الأوضح لتحقيق السلام، مع الإعراب عن تقديره لمواقف الشرفاء من أحرار العالم الذين استنكروا مجازر غزة.
وشدّد على أن ما يكشفه المشهد الدولي من خلل في ميزان العدالة يبرز صوت الواجب ونداء الضمير وفطرة الناس التي فطرها الله، وأن الأزمات المركبة تتنافى جذريًا مع مبادئ العدل المطلق التي قامت عليها الرسالات الإلهية، وأن الظلم يفسد الإنسان ويسيء إلى حضارة البشر عندما يُكرم الظالم على حساب المظلوم.
ودعا إلى أن يكون عمل الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين وحاضرة الفاتيكان معًا لإطلاق وثيقة الأخوة الإنسانية، التي وقّعها مع البابا فرنسيس في أبوظبي عام 2019، مؤكّدين أن السلام ليس غياب السلاح فحسب، بل حضور العدل الذي يحقق كرامة الإنسان وتقدم المجتمع، وأن العدل ليس انتصارًا لطرف على آخر بل قيمة تُدافع عن الإنسان ضد نزعات الأنانية والهيمنة.
وتطرق إلى دور الذكاء الاصطناعي كقوة محورية في تشكيل المستقبل، مؤكدًا أن حمايته وتوجيهه نحو الاستخدام العادل ليس خيارًا ترفيهيًا بل مسؤولية أخلاقية كبرى. وأوضح أنه كان قد بدأ مع البابا فرنسيس صياغة ميثاقٍ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لكنها تعثّرت بسبب ظروف مرض البابا، والآن تعمل فرق مشتركة من الأزهر والفاتيكان ومجلس حكماء المسلمين لإكمال الوثيقة لتكون مرجعًا عالميًا ينظم علاقة الإنسان بما ينتجه هذا التطور التكنولوجي، ويضمن أن يبقى الذكاء الاصطناعي خادمًا للإنسان لا سيفًا مصلتًا عليه.
ختم بأن العالم اليوم بحاجة إلى عدالة تعيد إليه سكينته وتوقظ فيه ضميرًا إنسانيًا يدرك أن الظلم—even لو كان بسيطًا—شرارة قد تشعل فتيل الصراع وتدفع الجميع إلى خسارة السلام، وأن لا نهضة للإنسانية دون إيمان بأن العدالة هي القانون الأعلى للحياة وأن السلام ثمرة طبيعية لها. كما أكد أن الفساد اليوم يظهر عندما يفصَل الأخلاق عن الإيمان، وعندما يُسْتَبعد الدين الإلهي عن توجيه الأخلاق، فتتعرض القيم للضياع وتتحول الأخلاق إلى أداة للصراع والجشع وسحق الفقراء والضعفاء.