جمال عبد الناصر يكتب عن لمياء الرياحى: صوت يعيد الطرب لأرضه الأولى

أعلنت ساقية الصاوي عن أمسيّة فنية في نوفمبر، وتحوّلت المسرح إلى فضاءٍ يتهيأ لاستقبال حدثٍ استثنائي. لم تكن الأمسية مجرد حفلة، بل لحظة ولادة صوتٍ يعرف طريقه إلى القلب قبل الأذن. عندما صعدت لمياء الرياحي إلى الخشبة، بدا حضورها ضوءًا ينساب في المكان، يرافقه صدق ودفء وثقة هادئة لا تتظاهر بالقوة. لمس الجمهور في هذه البداية نَفَسًا يربط بين التراث والحديث ويعبّر عن تجربة فنية لا تكتفي بالغناء.

سياق الأمسية والتجربة الفنية

تبيّن من التقييم النقدي أن ظهور لمياء الرياحي في مصر لم يكن اختبارًا صوتيًا فحسب، بل اختبارًا لحدسها الفني وقدرتها على مخاطبة جمهور يعشق الطرب. أكمل الجمهور حضورًا كاملًا في ثلاث ليالٍ متتالية، وتلَقّت كل أغنية تفاعلًا فوريًا يعيد إلى المستمعين ذكرياتٍ طال انتظارها. وقد كان صوتها يمزج بين الحزن الخفيف والبهجة المضيئة، مع قدرة واضحة على ضبط العفوية والاحتراف عند اللحن نفسه. وتبيّن أن هذه الموهبة يمكن أن تُعيد تشكيل الأغنية العربية من داخلها، دون أن تفقد هويتها.

التقنيات الصوتية والربط التراثي

افتتحت الحفلة بتحية صادقة لمصر قالتها بنثرة تعكس حلمًا يلمع في عينيها، ثم شدت بموال “بوابة الحلواني” لتعلن انتماءها العميق إلى الأغنية المصرية. بعدها أطلقت لمسة من تراثها التونسي عبر أداء “لاموني اللي غاروا مني” بروحٍ احتفالية تجمع بين التمرد والحسرة. بهذه المقدمة أدخلت الجمهور في تجربة تجمع بين القديم والجديد وتؤكد أنها ليست مجرد مُغنية تقليدية، بل مُرتجلةً أصيلة تستعيد الأغنية من داخلها. وتؤكد تلك المسارات أن التجربة الفنية قد تتجاوز الحفلة الواحدة وتتطلع إلى خيطٍ يربط ذاكرة البلدين.

تنقلت لمياء بين روائع وردة وأم كلثوم وعبد الحليم ووديع الصافي، إضافة إلى أسماء أخرى بارزة مثل هاني شاكر وسميرة سعيد وفيروز. لكنها لم تحصل على التقليد بل وضعت بصمتها الخاصة في كل تيلة تقدمها، كأنها تعيد تقديم الأغنية من داخلها وليس من سطحها. هذه القدرة على إعادة تشكيل المادة الغنائية بتوازن بين الأصالة والتحديث هي ما يميّز تجربتها ويجعلها حالة قابلة للمساءلة الفنية.

تتجذر خلفية لمياء في نادي الطرب “رياحيات”، وهو مشروع نسائي يمنح عشرات الأصوات فرصة التعبير والغناء دون اشتراط الاحتراف. هذا الإطار يمهّد لقيمة فنية تقوم على أن الموسيقى ثراء إنساني قبل أن تكون مهنة، وأن صوتًا صادقًا يمكن أن يُعيد النظر إلى الفن في المجتمع. من هذا المنطلق أتاح الحفل تأثيرًا خاصًا للنساء الشاعرات والمغنيات، وجعل من الحدث واحدًا من أبرز الفعّاليات الموسيقية النسائية في المنطقة.

أثبتت الأمسية أن الطرب الأصيل لا يزال يجد مكانه على المسرح حين يحضره جمهور صادق وتعبيره عن الحب للموسيقى. وتؤكد هذه التجربة أن لمياء الرياحي تحمل مشروعًا ورؤية خاصة قد يجعلها من الأسماء التي تترك أثرًا طويل المدى في الأغنية العربية. كانت استجابة الجمهور والتقدير النقدي في ختام الأمسية دالة على ذلك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى