جمال عبد الناصر يكتب عن سناء جميل ودروس في الصمت والانفعال

يؤكد المسرحي الكبير بيتر بروك أن في المسرح الصمت ليس غياب الكلام، بل امتلاؤه. تُقرأ تجربة سناء جميل كمدرسة كاملة في إدارة الصمت والانفعال، إذ رأت أن الأداء الحقيقي لا يقاس بحدة الصوت أو كثافة الحركة. بل بقدرة الممثل على احتواء الشعور وتوجيهه. وفي أدوارها، كان الصمت فعلًا دراميًا مكتملًا، وكانت النظرة جملة غير منطوقة، والانفعال طاقة داخلية لا تفجر إلا حين تبلغ ذروتها الضرورية.
إدارة الصمت في الأداء
تظل ذكرى رحيلها حاضرة ك حضورٍ لا يزال يقاوم الغياب، فكانت قراءة الدور كقدر وجودي. وتتعامل مع الشخصية ككيان له تاريخ نفسي واجتماعي وجسدي. كانت الحركة مركزة، والانفعال ليس زينة بل نتيجة فهم داخلي عميق. تجعل أدوارها على المسرح والسينما رسالة صادقة، لا مجرد عروض، وتثبت أن الصمت يمكن أن يكون خطابًا كاملًا.
الصوت والحضور الحي
ما يميزها هو قدرتها على التماهي دون الذوبان، فتعكس الشخصية كاملة لكنها لا تفقد الوعي الفني وتعرف متى تتراجع. وتعيد هذه القدرة بناء التوازن في المشهد وتفتح باب الحوار مع الجمهور والكاتب والمخرج. في المسرح كما في السينما، كانت تمثل بطلة المأساة الإنسانية، تعرف متى تتكلم ومتى تصمت وتحوّل الصمت إلى خطاب مكتمل. كما ذكر الراحل مصطفى سليم في كتابه عنها أن عبقرية سناء جميل تكمن في إدارة الانفعال لا في إطلاقه.
رحلتها في 22 ديسمبر 2002 لكنها تركت إرثًا حيًا وصوتًا لا يزول، وتبقى تجاربها شاهدًا على فن لا يشيخ ولا يكرر نفسه. في ذكرى رحيلها، لا نرثيها بل نحتفي بها كممثلة جعلت من الألم جمالًا ومن المعرفة قسوة، وفعل التمثيل عندها كان قيمة أخلاقية قبل أن يكون فنًا. لقد أظهرت أن حضورها كان يوازن بين العمق والصدق، وأن الصمت في أداءها أصبح لغةً حية تحمل المعنى إلى جمهورها. هكذا تبقى سناء جميل مدرسةً في فن التمثيل لا تستعيدها الذاكرة وإنما تتأثر بها الأجيال.