صموئيل العشاي يكتب : البابا تواضروس صوت الحكمة وحارس الوحدة الوطنية

تتجه قلوب المصريين اليوم بالدعاء الصادق لقداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الذي سافر إلى النمسا لاستكمال إجراءات العلاج من آلام العمود الفقري. نتضرع إلى الله أن يمنّ عليه بالشفاء العاجل وتمام العافية، ليعود إلى مصر معافى قادرًا على مواصلة رسالته الوطنية والروحية التي اضطلع بها بوعي ومسؤولية نادرة.
لم يكن البابا تواضروس مجرد رئيسٍ دينيّ، بل أصبح عبر السنوات صوت الحكمة والعقل في زمن كثرت فيه الأصوات المرتفعة وقلت العقول الهادئة. تميز خطابه بالاتزان والهدوء والقدرة على تفكيك الأزمات لا تأجيجها، فاختار لغة الدولة الوطنية الجامعة بدل لغة الاستقطاب الحاد. وفي كل موقفٍ جلل، كان يذكّر بأن “وطن بلا كنائس افضل من كنائس بلا وطن”، معبرًا عن رؤية عميقة لمعنى المواطنة والشراكة في المصير.
على صعيد الوحدة الوطنية، لعب قداسته دورًا مفصليًا وحاسمًا. فلم يسمح بأن تتحول الجراح العابرة إلى شروخ دائمة، ولم يترك بابًا للفتنة دون أن يغلقه بكلمة مسؤولة أو موقف وطني واضح. كان حاضرًا في الأزمات، مواسيًا ومعزيًا وراعيًا، ومؤكدًا أن الكنيسة المصرية جزءٌ أصيل من نسيج الدولة، تدعم استقرارها وتشارك في نهضتها وتحفظ لُحمتها الداخلية. بذلك، تحولت مرجعيته الروحية إلى ركيزة طمأنينة عامة تتجاوز حدود الطائفة إلى رحابة الوطن كله.
وفي مواجهة التطرف، اختار البابا تواضروس طريق الحكمة بدل الصدام، والوعي بدل الصخب. أدرك أن التطرف لا يُهزم فقط بالأمن، بل بالفكر والتعليم وبناء الإنسان. دعا إلى الحوار، وإلى احترام التنوع، وإلى تحصين المجتمع بالقيم الإنسانية الرفيعة. لم ينزلق إلى خطاب الكراهية ردًّا على الكراهية، بل قدّم نموذجًا لشجاعة هادئة تحارب التعصب دون أن تستنسخه. كانت كلماته دائمًا دعوة إلى السلام الداخلي والسلام المجتمعي معًا.
إن الدعاء اليوم بشفاء قداسة البابا ليس دعاءً لشخصية دينية وحسب، بل لرمز وطني وروحي أسهم في تثبيت تماسك المجتمع المصري وتهدئة لحظاته الصعبة. فقد جمع بين الصلابة في الموقف والرقة في الخطاب، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة الخلاف، وظل صوته مرشدًا نحو العقل والاعتدال.
نسأل الله أن يكتمل علاجه على خير، وأن يعود سالمًا معافى إلى كرسيه وخدمته، ليواصل دوره كصوت للحكمة وحارسٍ للوحدة الوطنية، ومرشدٍ إلى العيش المشترك والتصدي للتطرف بالعقل والمحبة.
شفاءً عاجلًا يا قداسة البابا تواضروس الثاني… فمصر لا تزال بحاجة إلى حكمتك، وقلبك الكبير، ورسالتك التي تجمع ولا تفرق