Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

كراهية نظام الملالي لمصر: الخميني (1)

بقلم – صموئيل العشاي:

منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة الإيرانية عام 1979، أصبح هناك موقف عدائي من مصر داخل عقل وروح النظام الجديد بقيادة روح الله الخميني. لم يكن هذا العداء طارئًا أو رد فعل عابر، بل جاء نتاج رؤية أيديولوجية تعتبر أن ما فعلته مصر بتوقيع اتفاق كامب ديفيد يمثّل “خطيئة كبرى” في ميزان الصراع الإقليمي والديني. وهكذا، تحولت القاهرة من دولة مركزية في العالم الإسلامي إلى هدف دائم للخطاب الثوري الإيراني.
رأى الخميني في توقيع الرئيس أنور السادات اتفاق كامب ديفيد عام 1978، ثم معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، خروجًا صريحًا عن ما سمّاه “خط المواجهة الإسلامية”. وفي خطاباته، لم يتعامل مع الاتفاق بوصفه خيارًا سياسيًا لدولة ذات سيادة، بل كـ”خيانة عقائدية” تستوجب الإدانة والعقاب. ومن هنا، صُوِّرت مصر باعتبارها دولة “عميلة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية”، بينما وُضع السادات في خانة “الخونة” الذين باعوا القضية الفلسطينية والقدس.
ولم يكتف الخميني بإدانة النظام المصري، بل حرّض علنًا ضد السادات، داعيًا الشعب المصري إلى الإطاحة به، ومقدّمًا نفسه وصورته الثورية كنموذج بديل لما يجب أن تكون عليه “الدولة الإسلامية الحقيقية”. هذا الخطاب كشف أن الخلاف لم يكن سياسيًا فقط، بل كان صراعًا على الزعامة والمرجعية داخل العالم الإسلامي، بين مشروع دولة وطنية تسعى إلى الاستقرار، ومشروع ثوري عابر للحدود يسعى إلى الهيمنة الأيديولوجية.
في أبريل 1979، تُوّج هذا العداء بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث أعلنت إيران رسميًا القطيعة مع مصر احتجاجًا على اتفاق السلام، وردّت القاهرة بالمثل. لم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء بروتوكولي، بل إعلانًا عن دخول العلاقات المصرية–الإيرانية مرحلة صدام مفتوح، عنوانه الكراهية السياسية والتجييش الأيديولوجي.
تصاعد التراشق الكلامي بين الطرفين، وبلغ مستوى غير مسبوق من الحدة. هاجم الخميني السادات بألفاظ قاسية، واعتبره عدوًا للإسلام، بينما رد السادات بوصف الخميني بـ”المجنون” الذي تحركه مشاعر الحقد والانتقام، محذرًا من أن الثورة الإيرانية لا تهدد إيران وحدها، بل استقرار المنطقة بأكملها. وأصبح كل طرف يرى الآخر خطرًا وجوديًا: الخميني يرى مصر عقبة أمام تصدير الثورة، والسادات يرى في الخمينية مشروع فوضى مذهبية وسياسية.
زاد من تعقيد المشهد غضب الخميني الشديد من قرار السادات استقبال شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي ومنحه اللجوء في مصر عام 1980. بالنسبة للخميني، كان الشاه رمز الطغيان والفساد والعمالة للغرب، وكان يطالب بمحاكمته علنًا. وعندما توفي الشاه، وأقام السادات له جنازة رسمية ودُفن في مسجد الرفاعي، اعتبر الخميني ذلك استفزازًا متعمدًا وإهانة مباشرة للثورة الإيرانية، ما عمّق الكراهية الشخصية والسياسية تجاه مصر.
بلغ العداء ذروته الدموية بعد اغتيال السادات في أكتوبر 1981 على يد خالد الإسلامبولي، المنتمي إلى تنظيم الجهاد الإسلامي. هنا سقطت كل الأقنعة؛ إذ أعلن الخميني تأييده الصريح للعملية، واعتبرها “عقابًا إلهيًا” على ما وصفه بخيانة السادات. ولم يتوقف الأمر عند التأييد المعنوي، بل تحوّل إلى احتفاء رسمي، حين أطلقت السلطات الإيرانية اسم الإسلامبولي على شارع رئيسي في طهران عام 1981، في رسالة فجّة تؤكد أن إيران لا ترى في الاغتيال جريمة، بل بطولة.
هذا الفعل هو إعلان عداء مباشر لمصر وشعبها، ورسالة مفادها أن النظام الإيراني يحتفل بمقتل رئيس عربي وقّع اتفاق سلام. واستمر هذا الشارع يحمل الاسم طوال فترة حكم الخميني، ما ساهم في تكريس القطيعة السياسية والنفسية بين البلدين لعقود.
ولم تتوقف هذه الكراهية عند حدود السياسة الخارجية، بل تحوّلت إلى خطاب ممنهج داخل الدولة الإيرانية. خلال الثمانينيات، صُوّرت مصر في المناهج التعليمية ووسائل الإعلام الرسمية كدولة خائنة، بينما قُدّم السادات كنموذج للحاكم الذي باع دينه وقوميته. وبهذا، لم يعد العداء موقفًا سياسيًا مرحليًا، بل جزءًا من التكوين الأيديولوجي للأجيال الإيرانية الجديدة.
كان الخميني يرى في مصر خطرًا مزدوجًا: خطرًا سياسيًا لأنها كسرت جدار الصراع مع إسرائيل، وخطرًا أيديولوجيًا لأنها تمثل الإسلام السني المعتدل القابل للتعايش مع الدولة الوطنية والنظام الدولي، وهو نقيض مباشر لمشروعه الثوري الراديكالي القائم على الصدام الدائم. ومن هنا، تحولت مصر إلى “نموذج يجب إسقاطه” في العقل الخميني.
خلال عقد حكم الخميني، أصبحت الكراهية تجاه مصر سياسة دولة مكتملة الأركان، مدفوعة بأيديولوجيا ترفض التسويات وتستثمر في الانقسامات الطائفية والسياسية. ورغم وفاة الخميني عام 1989، فإن هذا الإرث العدائي لم يختفِ، بل استمر بأشكال مختلفة، ليبقى شاهدًا على كيف يمكن للأيديولوجيا المؤدلجة أن تحوّل الخلاف السياسي إلى عداوة تاريخية طويلة المدى

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى