شارل فؤاد المصري يكتب«عم فلفل».. أيقونة «ريش» وذاكرة القاهرة المثقفة

«عم فلفل».. أيقونة «ريش» وذاكرة القاهرة المثقفة
في ركنٍ بعيدٍ من شارع طلعت حرب، حيث يتباطأ الزمن عمدًا قبل أن يطرق باب مقهى «ريش»، كان هناك رجل لا يمشي بل «ينساب»، اسمه «عم فلفل».
لم يكن مجرد جرسونٍ يرتدي سترته المميزة، بل كان مايسترو الصمت، يتحرك ببراعة لاعب سيرك وسط غابة من الكراسي الخشبية والطاولات.
يحمل الصواني المحمّلة بالأحلام والقهوة السادة دون أن تضطرب في يده قطرة واحدة، وكأنه يحمل أمانة التاريخ فوق كفّه.
وفي الزمانات الغابرة، كان يعرف «أمزجة» العقول قبل الألسنة، وبلمحة عين يدرك أن «نجيب محفوظ» قد وصل الآن إلى ذروة تأمله، فيضع الفنجان بهدوء جنائزي وينسحب كظلٍّ لم يخدش جدار الفكرة.
وبإيماءة خفيفة يدرك أن «أمل دنقل» يحتاج الآن إلى جرعة من الصخب، فيقترب بابتسامته الواثقة التي توحي بأن «كل شيء سيكون على ما يرام».
لم يكن «فلفل» يوزع فناجين القهوة فحسب، بل كان يوزع الطمأنينة.
كان يجمع منافض أعقاب السجائر المحترقة، ومعها يجمع شتات الشعراء المنهكين من «الوزن والقافية».
كان الصدر الرحب الذي يسع أسرار «لجنة الدفاع عن الثقافة القومية»، والعين التي رأت كيف تولد الروايات العظيمة من مجرد «شخبطة» على منديل ورقي.
كان يعرف من يخاصم مَن، ومن لا يرغب في رؤية مَن، فيرتب الموائد ببراعة دبلوماسي محنّك. يحفظ أسماء أجيال من المثقفين، من جيل الستينيات وصولًا إلى الشباب الذين اتخذوا من «ريش» مقرًا لهم.
لم يكن يرى نفسه موظفًا، بل جزءًا من جدران المقهى التي شهدت التخطيط لثورات، وانطلاق حركات أدبية.
كان عم فلفل يمثل «الركن الآمن» للمثقف المغترب أو الكاتب القلق؛ فبمجرد رؤيته، يشعر الزائر أنه في بيته، وأن هناك من يقدّر قيمته الثقافية بعيدًا عن الألقاب الرسمية.
رحل عم فلفل، ومن قبله ومن بعده رفاقه في المقهى. لم يكن ذلك مجرد غيابٍ لعاملين، بل كان إيذانًا بتغيّر وجه القاهرة الثقافي.
لقد كان يمثل حقبة «المقهى كصالون ثقافي»، حيث الحوار متاح للجميع، وحيث «الويتر» هو منسق الإيقاع العام لهذا الصالون.
اليوم، حين يمر الغريب أمام مرآة «ريش» القديمة، قد لا يرى صورة «فلفل» المنعكسة، لكنه حتمًا سيشعر ببرودة خفيفة لخلوّ المكان، وبصوت هامس يتردد مع حفيف الأبواب؛ صوت رجل جعل من الخدمة رتبة عسكرية في جيش الثقافة، ومن فنجان القهوة طقسًا للصلاة في محراب الفن.
يبقى «عم فلفل» جزءًا لا يتجزأ من أسطورة مقهى ريش. فإذا كانت الجدران قد سجلت التاريخ بالصور واللوحات، فإن روح «فلفل» وخطواته الهادئة تركت أثرًا لا يُمحى في وجدان كل من جلس يومًا يبحث عن فكرة، أو يهرب من ضجيج العالم إلى حضن القهوة.
رحل فلفل، لكن «ريش» ما زال ينتظر خطوته؛ لأن القهوة هناك — يا صديقي — لا تبرد أبدًا ما دامت ذكراه تدفئ المكان.
ملحوظة: ذهبتُ قبل أسبوعين إلى مقهى ريش مع صديقي الكاتب الصحفي الكبير د. وليم ويصا، وتذكرت عم فلفل الذي كنت أحبه كثيرًا، فكان هذا المقال.
كاتب المقال:
صحفي وكاتب وباحث في العلوم السياسية