رحلة من النيل للأردن وحكاية عيد الغطاس

بقلم فوزى جندي :
كنتُ جالسًا في صمتٍ عميق على ضفاف نهر النيل، أراقب انسياب الماء في هدوء الليل، والبرد يلف المكان بسكونٍ مهيب. وفجأة، رأيت الناس يتوافدون، رجالًا ونساءً، يحملون الشموع المضاءة، والبرتقال، والقصب، وينزلون إلى مياه النيل واحدًا تلو الآخر. كانوا يغطسون في الماء بإيمانٍ بسيط، ويتجمهرون في انتظار دورهم، غير عابئين ببرودة الجو ولا بعتمة الليل. كان المشهد غريبًا ومهيبًا في آنٍ واحد، مشهدًا يحمل في طياته معنى أعمق من مجرد عادة شعبية. علمت لاحقًا أنها عادة قديمة، لكني في تلك اللحظة لم أدرِ: أكنت مستيقظًا أم في حلم؟ أم كانت رؤيا تُفتح أمام عيني؟
وما هي إلا لحظات، حتى وجدت نفسي وكأنني انتقلت عبر الزمان والمكان، لأقف أمام نهر الأردن. هناك، رأيت جموعًا غفيرة ملتفة حول رجلٍ مهيب، يعمّد الناس في المياه الجارية. كانوا يتقدمون إليه بخشوع، معترفين بخطاياهم، طالبين التوبة والغفران. أخذتني الحيرة، فاقتربت منه وسألته بوجل:
من أنت؟ وما الذي تفعله هنا؟
فنظر إليّ بهدوء وقال:
أنا يوحنا بن زكريا، وأمي أليصابات.
تأملت هيئته، فرأيت لباسه من وبر الإبل، وعلى حقويه منطقة من جلد، وطعامه جرادًا وعسلًا بريًا. كانت حياته شهادة صامتة عن الزهد والتجرد، عن إنسانٍ نذر نفسه بالكامل لله. تعجبت من قسوته على ذاته، لكني سرعان ما تذكرت كلمات النبوة القديمة التي طالما سمعتها:
«صوت صارخ في البرية: أعدّوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة».
ثم رأيت المشهد يزداد اتساعًا، وجموعًا تأتي من أورشليم، وكل اليهودية، وجميع الكورة المحيطة بالأردن. كانوا ينزلون إلى الماء، ويعتمدون من يوحنا، معترفين بخطاياهم، وكأن النهر صار موضع ولادة جديدة لكل من يطلب التوبة.
وبين الجموع، ظهر شخصٌ مختلف. كان جماله يفوق الوصف، جمالًا لا يشبه جمال البشر، بل يحمل سلامًا وهيبة ونورًا غير مألوف. رأيته قادمًا من الجليل، متجهًا نحو نهر الأردن، ومتقدمًا إلى يوحنا ليعتمد منه، مثل سائر الناس. ارتبك يوحنا، وحاول منعه قائلًا:
أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ؟
فأجابه ذلك الشخص بصوتٍ مملوء وداعة وحزم معًا:
اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر.
حينئذٍ خضع يوحنا، ونزل المسيح إلى الماء. وما إن اعتمد وصعد للوقت من النهر، حتى انفتحت السماوات أمام عينيّ، ورأيت روح الله نازلًا مثل حمامة، مستقرًا عليه. عندها ارتجف قلبي، وأدركت أنني أمام سرٍ إلهي عظيم: هذا هو الله الظاهر في الجسد، ربنا يسوع المسيح.
وسمعت صوتًا من السماء، صوتًا مملوء مجدًا وسلطانًا، يقول:
«هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت».
جلست مبهورًا أمام هذا الإعلان السماوي: الآب يعلن الابن، والروح القدس يظهر في هيئة حمامة، والماء يصير شاهدًا على بداية طريق الفداء. هنا لم تكن المعمودية مجرد طقس، بل كانت إعلانًا إلهيًا، وبداية رسالة الخلاص للبشرية كلها.
ومن هذا الحدث العظيم، تسلمت الكنيسة سر المعمودية، ذلك السر الذي يرمز إلى الموت مع المسيح والقيامة معه، إلى خلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد. معمودية ليست فقط نزولًا إلى الماء، بل دخولًا إلى حياة جديدة، مملوءة توبة ونورًا.
وتذكرت رموز آبائنا البسطاء، حتى في عاداتهم اليومية. فالقلقاس، الذي لا يُؤكل إلا بعد غسله جيدًا وطهيه، لأن مادته الخام سامة، صار رمزًا عميقًا للمعمودية التي تغسل الإنسان من سمّ الخطية. كما تذكرت نزول الناس إلى نهر النيل في هذا الليل البارد، ليس كعادة فارغة، بل كتذكار حيّ لمعلمهم، وكاشتياق صادق للتطهير والتوبة وتجديد العهد مع الله.
يا ليتنا لا نكتفي بالمظهر، بل ندخل إلى الجوهر. يا ليتنا نفهم أن المعمودية ليست ذكرى، بل حياة تُعاش كل يوم. طوبى للإنسان الذي نال المعمودية الأولى، وطوبى لمن يجددها في حياته بالمعمودية الثانية، أي التوبة المستمرة، عامًا بعد عام.
والعالم كله بخير
بمناسبة عيد الظهور الإلهي
عيد الغطاس المجيد