طعنة في خاصرة النيل… هل راهن المغرب على سراب إثيوبي؟

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، اختارت الرباط توقيتًا لا يمكن اعتباره عابرًا ولا بريئًا، حين مضت في توقيع وتفعيل اتفاق عسكري مع إثيوبيا، الخصم الأشد لمصر في واحدة من أخطر قضايا وجودها: مياه النيل. التوقيت، هنا، ليس مجرد مصادفة دبلوماسية، بل رسالة سياسية كاملة الأركان، تحمل قدرًا من المجازفة وقصر النظر، وتنطوي على تنكّر مؤلم لذاكرة مشتركة وتاريخ لم يكن يومًا محل مساومة.
مصر، بثقلها الإقليمي ومكانتها التاريخية، لم تتاجر يومًا بمواقفها، ولم تستخدم القضايا العربية أوراق ضغط أو مساومة. وعلى مدار عقود، ظل الموقف المصري ثابتًا وواضحًا: رفض الاعتراف بالبوليساريو أو بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، لا في أوقات القوة ولا في لحظات الانكسار، إيمانًا بأن وحدة الأراضي المغربية ليست شأنًا مغربيًا فحسب، بل جزء أصيل من منظومة الأمن القومي العربي.
لكن ما يبدو اليوم أن الرباط اختارت السير في طريق أحادي الاتجاه، مدفوعة بنشوة انتصارات دبلوماسية آنية، وربما حسابات قصيرة النفس. غير أن السياسة لا تُدار باللحظة، ولا تُقاس بالحبر الموقّع على الاتفاقات، فالجغرافيا لا ترحم، والتاريخ لا ينسى، والماء – في هذه المنطقة من العالم – أثقل وزنًا من أي تعهد مكتوب.
قد تكسب الرباط ودّ آبي أحمد لبعض الوقت، وقد تحقق مكاسب اقتصادية أو صفقات سلاح أو تعاونًا في مجالات متعددة، وربما أكثر من ذلك، لكن الثمن في المقابل فادح: خسارة الظهير المصري، الدولة التي لم تتخلَّ عنها يومًا، ولم تساوم على وحدتها، ولم تقف على الحياد حين كانت القضايا المصيرية مطروحة.
إنها صفقة خاسرة بكل المقاييس. فمن يغامر بالنيل، شريان الحياة لمصر، من أجل سراب حبشي، قد يستيقظ يومًا ليجد نفسه وحيدًا في صحراء السياسة القاحلة؛ بلا ماء، وبلا أشقاء، وبلا ذاكرة مشتركة تشفع له.