هل يتقبّل الشارع المصري رئيس وزراء قبطية؟

نقلة حضارية ورسالة دولة حديثة

في لحظة فارقة من تاريخ الدولة المصرية، يثور جدل مشروع حول فكرة تعيين سيدة قبطية في منصب رئيس الوزراء، وهو جدل في جوهره يعكس حيوية المجتمع المصري وقدرته على مناقشة التحولات الكبرى بثقة ووعي. فالسؤال الحقيقي ليس: هل يتقبّل الشارع المصري رئيس وزراء قبطية؟ بل: هل مصر، بتاريخها ودستورها ومسارها الحديث، جاهزة لترسيخ مبدأ الكفاءة والمواطنة الكاملة؟ والإجابة تميل بقوة إلى نعم.

إن دراسة ترشيح الدكتورة منال ميخائيل، وزيرة التنمية المحلية، لهذا المنصب الرفيع، تمثل خطوة جريئة ونقلة حضارية بالغة الأهمية. فهي ليست مجرد خطوة رمزية، بل رسالة واضحة بأن الدولة المصرية الحديثة تعيد ترتيب أولوياتها على أساس الكفاءة والخبرة والقدرة على الإدارة، بعيدًا عن أي اعتبارات دينية أو نوعية.

لقد كانت الدكتورة منال ميخائيل أول سيدة تترأس وزارة التنمية المحلية، وهي من أكثر الوزارات تشابكًا مع حياة المواطن اليومية، من المحليات إلى الخدمات، ومن الإدارة إلى مواجهة التحديات المزمنة. وخلال فترة توليها، أثبتت حضورًا قويًا وأداءً مهنيًا يُحسب لها، ما جعلها تتصدر اليوم “بورصة الترشيحات” لمنصب رئيس الوزراء عن جدارة لا مجاملة فيها.

هذه الخطوة، إن تمت، ستكون بمثابة ثورة هادئة من النوع الذي يلفت أنظار الغرب المتقدم، ويؤكد أن مصر قادرة على تقديم نموذج مدني متوازن للدولة الوطنية الحديثة، كما أنها في الوقت ذاته تروق لنصف الشرق… أقصد النساء، اللواتي سيجدن في هذا القرار كسرًا حقيقيًا لسقف طالما ظُنّ أنه عصيّ على الكسر.

أما عن الشارع المصري، فالتجربة تقول إن هذا الشارع قد تجاوز كثيرًا من الحساسيات القديمة، وأصبح أكثر نضجًا في الحكم على المسؤولين من خلال أدائهم لا خلفياتهم. فالمواطن اليوم يريد من يحل مشكلاته، ويُحسن إدارة الدولة، ويشعره بأن هناك قيادة تفهم واقعه وتعمل من أجله.

تعيين رئيس وزراء قبطية لن يكون تحديًا للوحدة الوطنية، بل على العكس، سيكون تجسيدًا عمليًا لها، ودليلًا على أن مصر دولة مواطنة حقيقية، يتساوى فيها الجميع تحت مظلة الدستور والقانون. وهي رسالة قوية للداخل قبل الخارج بأن هذا الوطن يتسع للجميع، ويصعد فيه الأصلح لا الأقرب، والأكفأ لا الأكثر شيوعًا.

إنها خطوة، إن تحققت، ستُكتب في كتب التاريخ لا بوصفها مفاجأة، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لمسار دولة قررت أن تمضي إلى المستقبل بثقة، وأن تُقدّم نموذجًا حضاريًا يليق باسم مصر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى