مونيكا عياد يكتب: عيد الغطاس

عيد الغطاس ليس مجرد ذكرى تاريخية لمعمودية السيد المسيح في نهر الأردن، بل هو عيد الظهور الإلهي، اليوم الذي أُعلن فيه سرّ الثالوث القدوس للعالم أجمع.

ففي لحظة المعمودية، إذ قبل المسيح أن يعتمد من يد يوحنا، لم يكن ذلك احتياجًا أو نقصًا، بل إتمامًا لكل برّ، ونزولًا إلهيًا إلى عمق إنسانيتنا. لقد دخل إلى مياهنا ليقدسها، وحمل خطايانا ليؤسس لنا سرّ الخلاص الجديد: الولادة من الماء والروح. إنه عيد الاتضاع الإلهي والمحبة التي تنحني لتلامس الخليقة، فتجددها وتعيد إليها بهاءها الأول.

ويمتد هذا المعنى العميق إلى طقوس العيد المهيبة، من برامون الغطاس إلى تبارك ماء اللقان، مرورًا برموزه البسيطة التي تسكن الوجدان الشعبي، كغسل القلقاس. كلها ليست طقوسًا شكلية، بل لغة روحية تدعونا إلى التطهير والتجدد والانطلاق من جديد.

فالغـطاس ليس طقسًا جميلاً أو عادة متوارثة فحسب، بل نداء شخصي لكل نفس. هو دعوة لأن نقف مع يوحنا المعمدان على ضفة نهر الأردن، نتأمل اتضاع الله الذي وقف بين الخطاة وهو البريء، ليصالح السماء مع الأرض، والإنسان مع الله.

كما يذكرنا العيد بأن المعمودية التي نلناها لم تكن لحظة عابرة، بل عبورًا حقيقيًا، كما عبر يشوع بن نون بشعب إسرائيل نهر الأردن إلى أرض الموعد. لقد عبرنا مع المسيح من حكم الموت إلى حياة النعمة، ومن ظلمة هذا العالم إلى نور الملكوت.

فلنجعل من عيد الغطاس فرصة لغسل القلوب في مياه النعمة، وتجديد العهد مع الله. ولنذكر أن الروح القدس الذي حلّ على المسيح في الأردن، هو نفسه الذي يشتاق أن يحل فينا، ليجددنا ويقوينا ويقود خطواتنا. وكما قال القديس أوغسطينوس: عند نهر الأردن “أعلن لنا إلهنا نفسه عن نفسه، بكونه ثالوثًا في واحد”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى