السيسي في دافوس… حين تتكلم مصر بلغة التجربة لا الشعارات

تاتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتدى دافوس 2026، فأنا لا أراه مجرد حضور بروتوكولي في محفل اقتصادي عالمي، بل أراه لحظة سياسية بامتياز، تتحدث فيها مصر إلى العالم من موقع الخبرة، لا الادعاء، ومن موقع من دفع ثمن المواجهة، لا من يكتفي بإدارة النقاش من بعيد.

منتدى دافوس هذا العام يُعقد تحت شعار “روح الحوار”، لكن الحوار الحقيقي لا يكون مجديًا ما لم يستند إلى تجارب واقعية، وتجربة مصر في مواجهة الإرهاب والتطرف واحدة من أكثر التجارب قسوة ووضوحًا في العقد الأخير. نحن لا نتحدث عن نظريات أكاديمية أو تقارير استخباراتية، بل عن دولة كادت تُختطف، ومجتمع واجه خطر التفكك، وجيش وشرطة وشعب دفعوا دمًا حقيقيًا دفاعًا عن بقاء الدولة.

منذ 30 يونيو 2013، اتخذت مصر قرارًا صعبًا لكنه كان حتميًا: لا مصالحة مع من يوظف الدين لهدم الدولة، ولا تساهل مع من يبرر العنف باسم السياسة أو العقيدة. تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية لم يكن قرارًا انفعاليًا، بل خلاصة تجربة مريرة مع تنظيم حاول احتكار الوطن، ثم لجأ إلى العنف حين سقط مشروعه.

لهذا، فإن حديث الرئيس السيسي في دافوس عن الإرهاب ليس خطابًا دعائيًا، بل شهادة دولة نجت من السقوط. مصر تقول للعالم بوضوح: التطرف لا يُهزم أمنيًا فقط، بل فكريًا وماليًا وسياسيًا، وأي ازدواجية في التعامل معه تعني تأجيل الانفجار لا منعه.

اللافت أن ما كانت تقوله مصر لسنوات، بدأ العالم اليوم يقترب من الاعتراف به. قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصنيف فروع من جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية خطوة أراها تأكيدًا متأخرًا لصحة الرؤية المصرية. هذه الجماعة لم تكن يومًا مجرد “حركة سياسية إسلامية” كما حاول البعض ترويجها، بل شبكة عابرة للحدود، تتلون حسب السياق، وتغذي العنف حين تسنح الفرصة.

الخلافات التي نشهدها اليوم بين واشنطن من جهة، وباريس ولندن من جهة أخرى، حول تصنيف الإخوان، تكشف جوهر الأزمة الغربية في التعامل مع التطرف: هل نواجهه بوضوح قانوني وسياسي، أم نكتفي بمراقبته أمنيًا حتى يتحول إلى خطر مباشر؟ التجربة المصرية تقول إن الانتظار مكلف، والتردد قاتل.

من هنا، أرى أن مشاركة الرئيس السيسي في جلسة “حوار رئاسي” مخصصة لمصر، ولقاءاته على هامش المنتدى، ليست فقط لتعزيز دور مصر الاقتصادي أو الإقليمي، بل لترسيخ فكرة أساسية: لا استقرار دون حسم، ولا حوار دون وضوح، ولا تسامح مع من يتخذ من الدين غطاءً لهدم الدول.

في دافوس، تتحدث مصر اليوم من موقع الشريك في الاستقرار الإقليمي، في شرق المتوسط والبحر الأحمر وملف الهجرة، لكنها تتحدث أيضًا من موقع الدولة التي تعلمت بالطريقة الأصعب أن الإرهاب لا وطن له، وأن مواجهته مسؤولية جماعية، وليست عبئًا على دول المواجهة وحدها.

هذه هي “روح الحوار” التي نحتاجها: حوار يعترف بالتجارب، ويحترم التضحيات، ويتوقف عن تبرير التطرف تحت أي مسمى. ومصر، في هذا المشهد، لا تطلب تصفيقًا… بل تطلب فهمًا، وموقفًا، وشراكة حقيقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى