صموئيل العشاي يكتب: القضاء المصري… حارس الوطن وضميره الحي

حين نتحدث عن الوطن، لا نتحدث فقط عن حدود وجغرافيا، بل عن منظومة قيم تحميه من الانهيار، وفي مقدمتها القضاء. فالقضاء المصري لم يكن يومًا مجرد سلطة تفصل في الخصومات، بل كان ـ ولا يزال ـ حارس الوطن الحقيقي، وضميره الحي، والقلب النابض الذي يضخ العدالة في شرايين الدولة والمجتمع.
القضاء هو ذلك الخط الفاصل بين الدولة والفوضى، بين الحق والغلبة، وبين منطق القوة وقوة المنطق. وحين اشتدت العواصف على الوطن، كان القضاء المصري حاضرًا بثباته وهدوئه، يزن الأمور بميزان القانون، ويحمي الدولة دون أن يفرّط في حقوق أبنائها. لم ينحز لضجيج، ولم يخضع لابتزاز، بل انحاز فقط للدستور والعدل، فاستحق أن يكون صمام أمان الوطن.
رجال القضاء في مصر ليسوا موظفين على منصة، بل حراس ضمير أمة. يعرفون أن الحكم الذي يخرج من القاعة لا يخص طرفين فقط، بل يترك أثره في وجدان المجتمع كله. لذلك حملوا مسؤوليتهم بوعي عميق، وإحساس جليل بثقل الأمانة، فصار اسم القاضي مرتبطًا بالثقة، وصارت المنصة رمزًا للهيبة لا للرهبة.
وفي كل قضية عادلة، كان القضاء المصري يبعث برسالة واضحة: أن هذا الوطن لا يضيع فيه حق، وأن المظلوم مهما طال انتظاره، له موعد مع العدل. من هنا أصبح القضاء حلم المظلومين في غدٍ أفضل، وملاذهم الأخير حين تُغلق الأبواب، وتضيق السبل، ويخفت صوت الإنصاف.
ولم تكن قوة القضاء المصري في نصوص القانون وحدها، بل في ضمير رجاله، وفي استقلالهم الذي حموه بعرقهم ومواقفهم. وقفوا في وجه محاولات التسييس، ورفضوا أن يكونوا أداة في يد أحد، فبقوا ميزانًا نقيًا لا يميل إلا للحق، ولا ينحاز إلا للعدالة.
إن الإشادة برجال العدالة ليست مجاملة، بل واجب وطني. فهم الذين يحملون على عاتقهم حلم دولة القانون، ويصونون كرامة الإنسان، ويحفظون استقرار الوطن دون أن يفرّطوا في قيمه. القضاء المصري سيظل قلب الوطن النابض بالعدل، وضميره الذي يذكّره دائمًا بأن القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في إنصاف الناس.
وسيظل الإيمان بالقضاء المصري إيمانًا بمستقبل هذا الوطن، لأن وطنًا يحرسه قضاء عادل… وطن لا يسقط، ولا يضيع فيه حق، ولا يموت فيه حلم.