صموئيل العشاي يكتب: تعالوا نفهم… ماذا يعني لقاء الرئيس السيسي مع الرئيس ترامب؟

يمكن فهم أهمية اللقاء لذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، باعتباره حدثًا سياسيًا بالغ الدلالة، يتجاوز حدود المجاملات البروتوكولية أو الصور التذكارية. فقد جاء هذا اللقاء في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حاملاً رسائل واضحة بشأن موقع مصر وثقلها ودورها المحوري في معادلات الشرق الأوسط وأفريقيا، كما أعاد التأكيد على خصوصية الشراكة المصرية – الأمريكية، رغم ما شهدته من تحولات واختبارات عبر السنوات الماضية.
أولًا: إعتراف أمريكي صريح بدور مصر المحوري
يعكس هذا اللقاء إدراكًا أمريكيًا متجددًا لحقيقة راسخة في السياسة الدولية، مفادها أن مصر تظل دولة مركزية لا يمكن تجاوزها أو القفز على دورها في أي ترتيبات تخص المنطقة. وإشادة الرئيس ترامب بالرئيس السيسي، ووصفه له بـ”القائد العظيم”، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجاملة شخصية فحسب، بل هي رسالة سياسية تؤكد أن واشنطن ترى في القاهرة شريكًا رئيسيًا في إدارة توازنات الشرق الأوسط، لا تابعًا ولا طرفًا هامشيًا. وهو اعتراف واضح بقدرة القيادة المصرية على الجمع بين الحزم السياسي والواقعية الاستراتيجية.
ثانيًا: تقدير أمريكي لحكمة مصر في إدارة ملف سد النهضة
يحمل اللقاء إشادة واضحة بطريقة إدارة مصر لأزمة سد النهضة، وهي واحدة من أعقد القضايا الوجودية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة. فقد انتهجت القيادة المصرية مسار الصبر الاستراتيجي والدبلوماسية طويلة النفس، دون التفريط في حقوقها التاريخية والقانونية في مياه النيل. ويُعد حديث الرئيس ترامب عن النيل بوصفه “شريان حياة لمصر”، مع إبداء الاستعداد للوساطة، دعمًا سياسيًا مهمًا للموقف المصري، ويعكس تفهمًا أمريكيًا متزايدًا لحساسية وخطورة المساس بالأمن المائي المصري.
ثالثًا: دعم واضح للموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين
أكد اللقاء صحة الرؤية المصرية التي رفضت منذ البداية أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة. فهذا الموقف لم يكن دفاعًا عن السيادة المصرية فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا يهدف إلى حماية جوهر القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها، وتفادي تكرار مآسة التهجير في عام 1948م. كما أن الإشارة إلى مشاركة مصر في “مجلس السلام” تعكس حقيقة أن القاهرة ليست مجرد وسيط عابر، بل طرف أساسي في صياغة الحلول السياسية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية.
رابعًا: مصر كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي
تعكس إشادة الرئيس ترامب بالدور المصري في دعم السلام والاستقرار حقيقة أن القاهرة تتحرك باعتبارها قوة عقلانية مسؤولة، تسعى إلى احتواء الصراعات لا توسيعها. فمن غزة إلى ليبيا، ومن شرق المتوسط إلى العمق الأفريقي، لعبت مصر دورًا محوريًا في منع اتساع دوائر الفوضى، وحافظت على توازن دقيق بين حماية مصالحها الوطنية والوفاء بمسؤولياتها الإقليمية.
خامسًا: تثبيت الدور المصري في ملف غزة
إن الحديث عن وقف إطلاق النار، ومستقبل غزة، ونزع السلاح، مع التأكيد المتكرر على الدور المصري في الوساطة، يرسّخ حقيقة أن مصر هي الطرف الأكثر تأثيرًا وثقة في هذا الملف المعقد. كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن سيناء خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن أي تصور لمستقبل قطاع غزة لا يمكن أن يُطرح أو يُناقش بمعزل عن القاهرة أو دون تنسيق كامل معها.
سادسًا: تعزيز الدور المصري في أفريقيا وحوض النيل
تعكس عودة الاهتمام الأمريكي بملف سد النهضة عبر البوابة المصرية قناعة متزايدة بأن القاهرة تمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار في أفريقيا الشرقية وحوض النيل. فمصر تمتلك من الخبرة التاريخية والوزن السياسي ما يؤهلها للقيام بدور قيادي في تسوية النزاعات المائية، بما يحقق توازنًا عادلًا بين حق التنمية لدول المنبع وحق الحياة لدول المصب.
سابعًا: آفاق اقتصادية جديدة وشراكة أعمق
لا يمكن فصل هذا اللقاء عن أبعاده الاقتصادية، إذ يفتح الباب أمام تعزيز التعاون الاستثماري والتجاري بين مصر والولايات المتحدة، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد المصري إلى شراكات قوية ومستدامة. كما أن الحديث عن منتدى اقتصادي مصري – أمريكي يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن دعم مصر اقتصاديًا ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المنطقة بأسرها.
وخلاصة المشهد يمكن القول إن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس دونالد ترامب في دافوس 2026 لم يكن لقاءً عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة المعالم. رسالة تؤكد أن مصر دولة ذات قرار مستقل، وأن قيادتها تحظى بالاحترام والحساب في معادلة التوازن الدولي. وهو اعتراف بدولة اختارت حماية أمنها القومي دون مغامرة، والدفاع عن مصالحها دون صدام، وترسيخ موقعها باعتبارها قلب التوازن في الشرق الأوسط وأفريقيا.
مصر اليوم ليست مجرد رقم في معادلات السياسة الدولية، بل لاعب أساسي يُستمع إليه، ويُحسب له حساب، ويُبنى عليه في رسم مستقبل الاستقرار الإقليمي والدولي.