تطوّر العلاقات السعودية – المصرية منذ تولّي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد

لم تكن لحظة يونيو 2017، حين صدر الأمر الملكي بتعيين الأمير محمد بن سلمان وليًا للعهد، مجرد انتقال دستوري تقليدي، بل مثلت مرحلة جديدة في مسار العلاقات السعودية – المصرية، التي تمتد جذورها إلى عقود طويلة من التعاون والدعم المتبادل في مختلف مراحل التاريخ العربي الحديث. العلاقات بين البلدين تاريخية بطبيعتها، قائمة على روابط دينية وثقافية وسياسية، وعلى تجربة مشتركة في مواجهة التحديات الإقليمية الكبرى. لكن ما ميز هذه المرحلة هو تعميق هذه العلاقة وتحوّلها إلى شراكة استراتيجية متوازنة، تتجاوز الموروث التاريخي إلى مستوى الرؤية المشتركة والمصالح المتبادلة العملية.
فالعلاقات التاريخية كانت دائمًا أساسًا من الثقة والتفاهم، لكن بعد 2017، دخلت في عمق جديد: شراكة واعية تقوم على التخطيط طويل المدى، والتنسيق المؤسسي، وإدراك متبادل للتحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تواجه المنطقة. إذ لم تعد العلاقة مجرد دعم رمزي أو تنسيق ظرفي، بل أصبحت محركًا عمليًا للتعاون في قضايا الأمن القومي، التنمية الاقتصادية، والتوازن الإقليمي.

من هذا المنظور، يمكن القول إن عمق هذه الشراكة ينبع من قدرة الطرفين على الجمع بين إرث العلاقات التاريخية وبين الابتكار في أدوات التعاون: مجلس التنسيق المؤسسي، المشروعات الاستثمارية المشتركة، والتخطيط الاقتصادي بعيد المدى، كل ذلك جعل العلاقة السعودية – المصرية نموذجًا متوازنًا وراسخًا يضمن استمرارية التعاون، مهما تقلبت الظروف الإقليمية، ويؤكد أن الشراكة الحقيقية تُختبر بالقدرة على مواجهة التحديات وليس فقط بالذكرى التاريخية.

إن هذه المرحلة الجديدة تظهر أن العلاقات بين السعودية ومصر ليست مجرد استمرار للماضي، بل تطور واعٍ يربط بين الإرث التاريخي والرؤية المستقبلية، ما يجعل هذه الشراكة أكثر متانة وفعالية، ويجعل الدولتين ركيزتين أساسيتين للاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة في المنطقة العربية.

أولًا: المشروعان الاصلاحيان 2030

لقد التقى المشروع الإصلاحي للأمير محمد بن سلمان، الذي يركّز على تحديث الدولة والاقتصاد والمجتمع، مع جهود الرئيس عبد الفتاح السيسي في إعادة بناء الدولة المصرية وتطوير مؤسساتها، عند نقطة أساسية واحدة: أن الاستقرار السياسي والاقتصادي هو حجر الأساس لأي تنمية مستدامة. هذه الرؤية المشتركة لم تُترجم إلى مجرد حوارات نظرية، بل تحولت إلى خطة عملية للتعاون، ترتكز على فهم مشترك للتحديات الإقليمية والدولية، ووعي تام بأن المستقبل لا يُصنع إلا بالعمل المشترك والتخطيط الاستراتيجي.

إن هذا التكامل بين الرؤيتين يعكس إدراكًا عميقًا لدى القيادتين بأن القوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس بقدرتها على مواجهة الأزمات بمفردها، بل بمدى قدرتها على إيجاد شراكات متوازنة ومستدامة، تقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة طويلة المدى. هنا يظهر البعد الجديد للعلاقة السعودية – المصرية، إذ لم تعد الشراكة مجرد تنسيق تكتيكي، بل نموذجًا رائدًا لكيفية إدارة الدولة الحديثة، وتجهيزها لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، سواء على صعيد الاقتصاد، أو الأمن، أو التنمية الاجتماعية، أو التكنولوجيا الحديثة.

هذا التعاون الاستراتيجي ليس مجرد التقاء مشاريع سياسية، بل عملية ديناميكية مستمرة، تجمع بين الجرأة في اتخاذ القرار، والمرونة في التعامل مع المتغيرات، والرغبة في تحويل الطموحات الوطنية إلى نتائج ملموسة على الأرض. فهو يخلق بيئة يمكن فيها لكل دولة أن تستفيد من خبرات الأخرى، ويتيح تنفيذ مشاريع مشتركة تعزز النمو الاقتصادي، وتدعم الاستقرار الاجتماعي، وترسخ مكانة البلدين كمحركين أساسيين للتنمية في المنطقة العربية.

باختصار، هذه الشراكة ليست فقط انعكاسًا للروابط التاريخية بين السعودية ومصر، بل تحوّلت إلى قوة فاعلة تُصنع بها الفرص، وتُدار بها المخاطر، وتُبنى بها الدولة الحديثة، لتصبح نموذجًا عربيًا متميزًا للشراكة الذكية، المتوازنة، والمستدامة، القادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل بثقة وحزم.

ثانيًا: أول زيارة خارجية الى مصر

اختيار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان القاهرة كأول محطة خارجية له في مارس 2018 لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان رسالة استراتيجية واضحة المعالم عن مكانة مصر كشريك أساسي في صياغة مستقبل المنطقة. هذه الزيارة عبّرت عن إدراك الرياض لأهمية التنسيق العميق مع القاهرة في الملفات الحيوية التي تحدد أمن واستقرار المنطقة، كما أكدت على أن التعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على العلاقات التاريخية أو المجاملات الدبلوماسية، بل أصبح شراكة عملية وقائمة على الرؤية المشتركة والتخطيط طويل المدى.

خلال الزيارة، لم تقتصر المباحثات على اللقاءات الرسمية أو الصور الإعلامية، بل تناولت الملفات الأكثر حساسية وتأثيرًا، بدءًا من أمن البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما شريانين حيويين للملاحة العالمية، إلى مواجهة التطرف والإرهاب كتهديد مشترك للاستقرار الإقليمي، مرورًا ببحث سبل إعادة بناء الدول المتضررة من الصراعات مثل ليبيا واليمن، وصولًا إلى مناقشة مستقبل الطاقة والاستثمار في المنطقة في ظل التحولات العالمية المتسارعة.

وقد تُرجم هذا التنسيق الاستراتيجي إلى اتفاقيات عملية ملموسة، تضمنت مشاريع استثمارية ضخمة في قطاعات حيوية تمس حياة المواطن المصري مباشرة، مثل الإسكان والطاقة والبنية التحتية، بالإضافة إلى التعاون في قطاعات النقل واللوجستيات والصناعة. هذه المشاريع لم تكن مجرد استثمار اقتصادي، بل تعكس رؤية مشتركة لتحويل التفاهم السياسي إلى نتائج حقيقية ومستدامة تعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتضع العلاقة بين الرياض والقاهرة في قلب منظومة التنمية الإقليمية.

من خلال هذه الخطوة، أصبح من الواضح أن مصر والسعودية لا تكتفيان بإدارة التحديات، بل تصنعان الفرص معًا، وتعززان شراكتهما بحيث تصبح قوة فاعلة للتأثير في مستقبل المنطقة العربية، نموذجًا متوازنًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، ويضع الأسس لشراكة استراتيجية طويلة الأمد.

ثالثًا: البناء المؤسسي لضمان استمرارية التعاون

أدرك البلدان منذ البداية أن العلاقات الاستراتيجية الكبرى لا يمكن أن تُدار بالاعتماد على التفاهمات الشخصية بين القادة وحدها، مهما بلغت درجة الانسجام والتفاهم، إذ إن الطبيعة المتقلبة للسياسة الإقليمية والدولية تتطلب آليات مؤسسية قوية لضمان استمرارية التعاون. لذلك، تم تعزيز الدور المؤسسي لمجلس التنسيق السعودي – المصري، الذي تأسس عام 2015، وتحويله إلى منصة فعالة لتنسيق السياسات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وضمان متابعة المشاريع المشتركة وتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

المجلس يعمل من خلال لجان متخصصة تضم خبراء وفنيين من كلا البلدين، تتولى متابعة تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية، ومشاريع البنية التحتية، والاستثمارات في الطاقة والزراعة والصناعة، بالإضافة إلى التنسيق في الملفات السياسية والأمنية الحساسة. هذه اللجان تسمح بتقييم التقدم بشكل دوري، ومعالجة أي عقبات أو تحديات، بما يضمن استمرارية التعاون وتجاوز أي ضغوط أو تغيرات ظرفية في المشهد الإقليمي.

ومع تطور العلاقة بعد عام 2017، تم إنشاء المجلس الأعلى للتنسيق السعودي – المصري برئاسة الزعيمين، الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبد الفتاح السيسي، ليصبح أعلى هيئة مؤسسية تشرف على كافة ملفات التعاون الاستراتيجي بين البلدين. هذا المجلس الأعلى لا يكتفي بوضع السياسات العامة، بل يتابع تنفيذها على أعلى مستوى، ويحدد الأولويات الوطنية والإقليمية، ويضمن التوافق الكامل بين الجهات الحكومية في كلا البلدين. كما يعقد اجتماعات دورية، ويصدر توجيهات مباشرة للجان الفنية لضمان سرعة التنفيذ ودقة متابعة المشاريع، بما يحول الرؤية الاستراتيجية إلى واقع ملموس على الأرض.

بهذه الآليات، لم يعد التعاون السعودي – المصري مجرد تنسيق ظرفي، بل أصبح مشروع دولة لدولة، قائم على مؤسسات واضحة، وتخطيط طويل المدى، وشراكة استراتيجية متوازنة. المجلس الأعلى للتنسيق ومجلس التنسيق المؤسسي معًا يعززان قدرة الدولتين على مواجهة التحديات الإقليمية، وتقديم نموذج عربي رائد في كيفية إدارة الشراكات الاستراتيجية بطريقة عملية ومستدامة، تجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية، وتضع البلدين في قلب منظومة الاستقرار والتأثير في المنطقة العربية.

رابعًا: الاقتصاد محور الشراكة الاستراتيجية

تحولت الاستثمارات السعودية في مصر منذ عام 2017 إلى أدوات فاعلة لدعم التنمية المستدامة وتعزيز الأمن القومي، بما يتجاوز مجرد العوائد المالية أو الأرباح قصيرة الأمد. فقد تم توجيه الاستثمارات نحو قطاعات استراتيجية حيوية تشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، والموانئ والمناطق اللوجستية، لضمان انسياب التجارة وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى الزراعة الذكية والأمن الغذائي لضمان استدامة الموارد وتحقيق الاكتفاء الغذائي المحلي.

هذا التعاون الاقتصادي يعكس وعيًا مشتركًا لدى الرياض والقاهرة بأن الاستقرار المالي والاقتصادي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية، سواء من خلال استثمارات استراتيجية أو مشاريع بنية تحتية ضخمة، هي أساس لحماية الدولة من الصدمات المحتملة. كما أن الدعم السعودي لمصر في هذه المجالات لا يقتصر على الدعم المالي، بل يشمل نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية، ما يعزز الثقة المتبادلة ويحوّل الشراكة إلى علاقة طويلة الأمد قائمة على مصالح واضحة ومتوازنة.

علاوة على ذلك، أسهم هذا التعاون في خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز التنمية الاجتماعية، وتحسين مستوى الخدمات العامة، ليصبح تأثير الشراكة ملموسًا على حياة المواطنين مباشرة. فالمشاريع المشتركة ليست مجرد استثمار اقتصادي، بل أداة استراتيجية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ما يجعل العلاقة السعودية – المصرية نموذجًا يحتذى به في كيفية تحويل التعاون المالي إلى تنمية مستدامة وقوة اقتصادية وأمنية حقيقية في المنطقة العربية.

خامسًا: جبهة واحدة في الأمن والسياسة

في ظل الصراعات الإقليمية المتشابكة والتحديات الدولية المتزايدة، حرصت القاهرة والرياض على ترسيخ التنسيق السياسي والأمني على أسس واضحة وثابتة، قائمة على مبادئ استراتيجية تضمن استقرار المنطقة. وتشمل هذه المبادئ دعم الدولة الوطنية في مواجهة الفوضى، ورفض الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، والانحياز للحلول الواقعية التي تراعي مصالح الشعوب والدول، والحفاظ على وحدة الأراضي الوطنية وعدم السماح لأي تدخل خارجي بفرض أجنداته.

وقد انعكس هذا التنسيق بشكل عملي وملموس على ملفات إقليمية كبرى، بدءًا من اليمن، حيث تم العمل على دعم الدولة الشرعية ومواجهة التنظيمات المسلحة، مرورًا بليبيا، والسودان، وصولًا إلى القضية الفلسطينية، مع تبادل مستمر للمعلومات، وتنسيق المواقف، ووضع استراتيجيات مشتركة لإدارة الأزمات. كذلك، لعب التعاون الأمني دورًا أساسيًا في تأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بما يحمي المصالح الإقليمية والدولية ويضمن انسياب التجارة العالمية.

هذا النهج لم يقتصر على الاستجابة للأزمات فحسب، بل جعل العلاقة بين السعودية ومصر نموذجًا فريدًا للتعاون الأمني والاستراتيجي المتوازن، يجمع بين الواقعية في تقييم المخاطر، والقدرة على اتخاذ قرارات مشتركة لحماية المصالح العربية.

خاتمة: شراكة متوازنة تصنع مستقبلًا

منذ عام 2017، تحوّلت العلاقات السعودية – المصرية إلى نموذج فريد للشراكة المتوازنة، يجمع بين الواقعية السياسية، والتنسيق الأمني الدقيق، والتعاون الاقتصادي، والرؤية المستقبلية الاستراتيجية. هذه الشراكة لم تعد مجرد مجموعة اتفاقيات أو شعارات رسمية، بل أصبحت مشروعًا مؤسساتيًا متكاملًا، قائمًا على تخطيط طويل المدى، وآليات متابعة دقيقة، تضمن تحقيق مصالح الطرفين على المستويين الوطني والإقليمي، وتعزز استقرار المنطقة العربية بأكملها.

لقد رسخت هذه الشراكة فكرة جوهرية مفادها أن القوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل بمدى قدرتها على التعاون المستدام والتحرك ككتلة متكاملة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والتحولات العالمية. ومن خلال المؤسسات والآليات المؤسسية، مثل المجلس الأعلى للتنسيق السعودي – المصري ومجلس التنسيق المؤسسي، أصبح بالإمكان تحويل التخطيط الاستراتيجي إلى نتائج ملموسة على الأرض، تشمل مشاريع اقتصادية وتنموية، وتعزيز الأمن الإقليمي، ودعم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

هذه الشراكة تمثل أيضًا نموذجًا عربيًا رائدًا لكيفية إدارة العلاقات الدولية، حيث تُجمع فيها الخبرة مع الرؤية، والسياسة مع الاقتصاد، والأمن مع التنمية. وهي تؤكد أن مصر والسعودية، عبر هذا التعاون العميق والمتوازن، أصبحتا ركيزتين أساسيتين في معمار الاستقرار العربي، وأن مستقبل المنطقة يعتمد بشكل كبير على قوة هذه الشراكة وقدرتها على ترجمة الرؤى إلى برامج عملية تُعزز الأمن والتنمية والازدهار المشترك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى