إلى أي مدى ترتبط الإرادة النفسية بالتكييف القانوني للجرم؟

يؤكد التقرير الذي نُشر على منصة برلماني أن النية الإجرامية تشكّل محورا حيويا في ربط الظاهر بالباطن عند تقييم الجريمة. يقصد بالقصد الجرمي توجيه إرادة الفاعل إلى ارتكاب فعل مكون للجريمة بغرض تحقيق نتيجة جرمية أو نتيجة أخرى ذات طابع جرمي. وتُعد النية الإجرامية من أخطر أركان الركن المعنوي وأساس البناء الجنائي، لأنها العصب الخفي الذي يحوّل الحركة المادية إلى جريمة مكتملة الأركان. فالنِية ليست مجرد لفظ عابر في النصوص ولا افتراضًا ذهنيًا يحضره القاضي حسب إرادته، بل هي بناء مركّب يعكس التلاقي بين الباطن النفسي والتكييف التشريعي للفعل.
يتحدد القصد الجرمي بعنصرين أساسيين هما العلم والإرادة. العلم صفة تبيّن الشيء وتظهره كما هو، وهو قد يسبق الفعل أو يواكبه أو يلحق به بالضرورة. أما الإرادة فهي جوهر القصد الجرمي ونشاط نفسي يهدف إلى تحقيق غرض محدد، وهي القوة التي تستجيب لغرائز النفس وتحدد الوصف القانوني للفعل. ولا تكفي إرادة الفعل الجرمي وحدها لتحقيق القصد الجرمي، بل يلزم أيضًا أن تتجه الإرادة إلى النتيجة المترتبة على الفعل في الجرائم العمدية، ففي جريمة القتل يجب أن تتجه الإرادة إلى ازهاق الروح، وفي جريمة السرقة يجب أن تتجه إلى أخذ المال والاحتفاظ به.
إشكالية الظاهر والباطن
تؤكد المعالجة أن الفعل الجرمي لا يقوم بذاته ما لم يلتق بإرادة آثمة واعية متجهة إلى تحقيق النتيجة. فالنّيّة ليست صدى للفعل بل هي سابقته الذهنية، ولا تُستنبط من النتيجة بل تُستكشف من المسار النفسي الذي قاد إليها ومجريات الفعل وملابسات الحال. وتبرز أهمية تفسير النية من خلال رصد قرائن السلوك وتقييم الملابسات المحيطة بالفعل للوصول إلى التكييف القانوني المناسب، وهو ما يعكس التفاعل بين الإرادة النفسية والتكييف القانوني للجريمة.