أحمد المسلمانى: العالم كما نعرفه صنيعة الحروب الكبرى

أُقيمت الندوة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 وتناولت موضوع الثقافة والسياسة في زمن اللا يقين ومآلات القرن الحادي والعشرين، وتأتي كقراءة تأسيسية لمسار الفكر لدى الإعلامي أحمد المسلماني. وسط حضور ثقافي وإعلامي لافت شارك فيه نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام. وتؤكد الجلسة أن اللقاء يمثل محاولة فهم الأطر التي تكوّن العلاقات بين العلم والسياسة في عالم يتجه نحو تغيّرات جسيمة.

مقدمة الحدث

رحبت الإعلامية ليلى عمر بالحضور، موضحة أن اللقاء يحمل أهمية خاصة في سياق تحولات كبرى تشهدها الساحات السياسية والثقافية والمعرفية. أشارت إلى أن الندوة تسلط الضوء على المسار الفكري للمسلماني كما يجمع بين المعرفة العلمية والتحليل السياسي، وهو ما انعكس في عمله كمستشار للدكتور أحمد زويل ومشاركته كأحد الأصوات الإعلامية التي تدمج العلم بالسياسة. كشفت عن ارتباطه بمقدمة كتاب عصر العلم للدكتور زويل كإحدى المحطات الأساسية في فهم علاقة العلم بالسياسة ضمن مشروعه الفكري.

قراءة تاريخية لمصدر الفكر الغربي والبشري

أوضح الإعلامي أحمد المسلماني أن العالم الذي نعرفه اليوم لم يكن موجودًا بالصورة ذاتها قبل قرون قليلة، وأن النظام العالمي شهد تحولات جذرية منذ لحظة الاكتشافات الكبرى. وأشار إلى أن الولايات المتحدة وروسيا باعتبارهما قوتين عظميين في العصر الحديث لم تكونا حاضرتين على المسرح العالمي بالصورة التي نعرفها اليوم. كما أشار إلى أن روسيا مرت عبر أربع مراحل تاريخية رئيسة: روسيا القيصرية، ثم الإمبراطورية الروسية، فالاتحاد السوفيتي، وأخيرًا روسيا الاتحادية، وهي تحولات تعكس موجات التاريخ وتغير القوى الكبرى.

الصعود العالمي الجديد

وتناول المسلماني امتداد روسيا الجغرافي الهائل كعامل حاسم في فهم دورها العالمي، مشيرًا إلى أن المسافة من شرقها إلى غربها تتجاوز عشرة آلاف كيلومتر وهو ما يفسر تعقيد التجربة تاريخيًا. وتابع أن ظهور قوى جديدة إلى المسرح العالمي في القرنين التاسع عشر والعشرين جاء عبر اليابان التي لم تكن ذات وزن حتى انتصارها على روسيا عام 1905، وهو الحدث الذي دشّن دخولها نادي القوى الكبرى. وأشار إلى أستراليا التي كانت مستعمرة بريطانية بعيدة عن مركز العالم قبل أن تتحول إلى دولة مستقلة وتفرض حضورها لاحقًا، بعد الحرب العالمية الثانية. كما تطرق إلى كوريا الجنوبية التي ظهرت في العقد الأخير كقوة اقتصادية وثقافية مؤثرة، خاصة مع موجة التطور الكوري المعروفة.

مفهوم الغرب والنهج النقدي

وأكد أن الغرب لم يعد توصيفًا جغرافيًا فحسب، بل إطارًا ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا يضم دولًا من الشرق الآسيوي مثل اليابان وكوريا الجنوبية لكنها تنتمي حضاريًا إلى الغرب الثقافي، إلى جانب أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا. وأشار إلى تفكيك الصورة النمطية للحضارة الأوروبية بأن تاريخها لم يتشكل عبر مسار سلمي بل عبر صراع طويل من الحروب. ولفت إلى حرب الثلاثين عامًا في القرن السابع عشر التي أودت بحياة نحو سبعة ملايين إنسان في ألمانيا وحدها.

الصراعات والتحولات الأوروبية الأمريكية

أوضح أن الحروب النابليونية أسهمت في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية وربط ذلك بتاريخ الولايات المتحدة الناشئة. وأشار إلى حرب عام 1812 والغزو الأميركي لكندا، ثم الرد البريطاني الذي وصل إلى إحراق البيت الأبيض والكونجرس. كما أشار إلى المأساة الإنسانية التي لحقت بالسكان الأصليين في الأمريكتين، مؤكدًا أن نحو عشرين مليونًا من السكان الأصليين قُتلوا مع صعود المشروع الاستعماري الأوروبي.

الحرب الأهلية الأمريكية ومفاصل الحكم الذاتي

قال إن عشرات السنين في عمر التاريخ قد تكون أقصر تأثيرًا من حرب فاصلة واحدة، كما استشهد بالحرب الأهلية الأمريكية التي تعتبر من أكثر الحروب دموية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث قُتل فيها نحو 800 ألف شخص. وذكر أنها جرت في ستينات القرن التاسع عشر في مجتمع كان تعداد سكانه نحو 9 ملايين نسمة، بينهم ما يقرب من أربعة ملايين من العبيد. وأوضح أن الجدل حول إلغاء العبودية بلغ ذروته حين انفصلت ولايات الجنوب وأعلنت قيام الكونفدرالية، مقابل الولايات الفيدرالية في الشمال، وهو ما شكل لحظة محورية في تطور فكرة الحكم الذاتي.

الموجة الثانية من الفكر الغربي

تAudience>وتابع بأن الحرب الأهلية لم تكن فقط معركة للوحدة الوطنية بل محطة في تطور فكرة الحكم الذاتي والاستقلال داخل النظام الأمريكي. وأوضح أن العالم دخل لاحقًا في دوامة الحروب الكبرى من الحربين العالميتين الأولى والثانية، وصولاً إلى الصراع الروسي الأوكراني في العصر الراهن. ورأى أن هذا المسار يظهر أن تاريخ أوروبا والغرب ليس مجرد تاريخ أفكار بل تاريخ صراعات كبرى وتطور حضاري.

الموجة الفكرية الثانية

وتطرق إلى الموجة الثانية من تاريخ الفكر، موضحًا أن بعض المؤرخين المرتبطين بالمركزية الأوروبية عدوا تاريخ الإنسانية انتقالًا من عصر الأساطير إلى عصر الفلسفة ثم إلى العلم. وأشار إلى أن أرسطو كان له حضور قوي في الفكر الغربي، ليس فقط في العصر القديم بل أُعيد تفعيله في الفكر الإسلامي عبر ابن رشد وفلاسفة آخرين وفي الفكر المسيحي عبر توما الأكويني، ما جعله جسرًا معرفيًا بين الحضارات. ثم أوضح أن التحول الجذري جاء مع فلاسفة العصر الحديث، مثل ديكارت الذي أطلق القطيعة مع الموروث، ثم القرن الثامن عشر مع كانط الذي مثل محطة مهمة في النقد الفلسفي.

الرموز الحضارية وظلالها الفكرية

وأشار إلى ما أسماه الطفرات الحضارية حيث يظهر في زمن واحد عدد من الرموز المؤثرة في ميادين متعددة، مثل أم كلثوم ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود وعبد الوهاب وبليغ حمدي والعقاد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم. أضاف أن حضور هذه الشخصيات في فترة واحدة يعكس جدلية الصراع الفكري والإبداعي في الثقافة العربية. كما أشار إلى أن هذه الظاهرة تكررت في أوروبا، وخصوصًا في ألمانيا، حيث اجتمع فلاسفة متفائلون يرون في التاريخ مسارًا نحو التقدم وآخرين متشائمين يرون المستقبل أقوى قتامة.

خلاصة الرؤية التاريخية

ختامًا، أكد المسلماني أن تاريخ الغرب ليس مجرد مسار أفكار بل سلسلة من صراعات وإسهامات عميقة في مسارات التطور البشري. وبيّن أن فهم هذه الحقب يساعد على قراءة حاضر العالم العربي وتداعيات اللايقين السياسي والثقافي. وأكد أن ربط العلم بالسياسة ضمن إطار نقدي تاريخي يعزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المعاصرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى