صموئيل العشاي يكتب: طبول الحرب تقرع

تدخل منطقتنا واحدة من أخطر لحظاتها منذ سنوات، مع تصاعد غير مسبوق في نبرة التهديد الأمريكية تجاه إيران، وتحول لغة التحذير إلى لغة استعداد فعلي للمواجهة. فوفق تقارير متطابقة نشرتها شبكتا CNN وNew York Times، يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجدية توجيه ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد أهداف استراتيجية داخل إيران، في سيناريو يضع المنطقة بأكملها في حالة “الخطر الأقصى”.

هذا التصعيد لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج تراكم طويل من التوترات السياسية والعسكرية، فشلت خلالها كل المسارات الدبلوماسية في تحقيق اختراق حقيقي. المفاوضات بين واشنطن وطهران وصلت إلى طريق مسدود، بعد رفض إيران ما وصفته الإدارة الأمريكية بـ“الشروط الثلاثة” الصارمة: وقف تخصيب اليورانيوم، تحجيم برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم عن الحلفاء والوكلاء مثل حزب الله في لبنان والحشد في العراق والحوثيين في اليمن.

التقارير الأمريكية تشير إلى أن الطاولة لم تعد تضم خيارًا واحدًا، بل سلة كاملة من السيناريوهات العسكرية، تبدأ بقصف المنشآت النووية الحساسة، ولا تنتهي عند استهداف مراكز حكومية سيادية، وصولًا إلى اغتيال قادة ومسؤولين بارزين في الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية. وهو ما يعني أن أي ضربة محتملة لن تكون “تحذيرية” أو محدودة، بل ضربة ذات طابع استراتيجي تهدف إلى إحداث صدمة شاملة في بنية النظام الإيراني.

في هذا السياق، تعمد إدارة ترامب إلى رفع سقف الرسائل السياسية والعسكرية معًا. فقد أعلن الرئيس الأمريكي صراحة أن “أرمادا ضخمة” بقيادة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في طريقها إلى المنطقة، في استعراض قوة واضح، ورسالة مزدوجة مفادها أن الولايات المتحدة لا تلوّح بالقوة فقط، بل باتت مستعدة لاستخدامها.

التصعيد الأمريكي يحمل أبعادًا تتجاوز الملف النووي وحده. فواشنطن ترى أن إيران استغلت السنوات الماضية لتوسيع نفوذها الإقليمي، وبناء شبكة تحالفات عسكرية وسياسية تهدد التوازن الاستراتيجي في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو الضربة المحتملة – إن وقعت – محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، وفرض معادلة ردع جديدة بالقوة الصلبة بعد فشل الردع السياسي والاقتصادي.

في المقابل، تدرك طهران أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة ستكون مكلفة، لكنها تراهن على تعقيد المشهد الإقليمي، وعلى أن أي ضربة لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستفتح أبوابًا واسعة للرد عبر أكثر من ساحة وأكثر من طرف.

القلق لا يقتصر على طرفي الصراع فقط، بل يمتد إلى عواصم الإقليم التي تدرك أن شرارة واحدة قد تشعل سلسلة من التفاعلات غير القابلة للسيطرة. فحرب بهذا الحجم لن تكون مواجهة تقليدية، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة المنطقة على تحمّل صدمة جديدة، في وقت لم تلتئم فيه بعد جراح صراعات سابقة.

بين حسابات القوة، وضيق المسارات الدبلوماسية، واستعراض العضلات العسكرية، تقف المنطقة اليوم على حافة منعطف تاريخي بالغ الخطورة. فإما أن تنجح لغة التهديد في فرض تنازلات متبادلة قبل فوات الأوان، أو أن تتحول طبول الحرب التي تُقرَع الآن إلى مواجهة مفتوحة، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى