شروط ترامب للتصالح مع إيران: إملاءات قاسية لا سلام متكافئ

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء رؤية صدامية تجاه إيران، من خلال ما أسماه “شروط الصلح”، إلا أن هذه الشروط – في جوهرها – لا تشبه مبادرات السلام أو أطر التفاوض بين دولتين متكافئتين، بقدر ما تعكس منطق الإملاء المفروض على طرف يُراد تصويره كمهزوم سلفًا. فخطاب ترامب لم يتضمن لغة سياسية دبلوماسية، بل جاء مشبعًا بتهديدات مباشرة وإيحاءات عسكرية، من قبيل التلويح بوجود “سفن كبيرة بالقرب من إيران”، في إشارة صريحة إلى استخدام القوة الخشنة كأداة ضغط أساسية، وليس كخيار أخير.
هذه المقاربة تكشف أن الإدارة الأمريكية – وفق رؤية ترامب – لا تنظر إلى الملف الإيراني بوصفه أزمة قابلة للحل عبر التفاهمات المتبادلة، بل كملف إخضاع استراتيجي، تُفرض فيه الشروط من أعلى، دون اعتبار لمعادلات الردع أو توازن المصالح أو حتى مقتضيات السيادة الوطنية.
وتتلخص هذه الشروط في عدة محاور رئيسية:
أولًا: تفكيك التفوق العسكري ونزع الردع
يشترط ترامب على إيران تسليم كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب، وتدمير منظومتها الصاروخية الباليستية، بالإضافة إلى إنهاء برامج الطائرات المسيّرة. هذه المطالب لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي بل تمتد إلى قلب القوة العسكرية الإيرانية، بما يعني عمليًا تجريد الدولة من أهم أدوات الردع التي بنتها على مدار عقود.
إن هذه الشروط تضرب العقيدة الدفاعية الإيرانية في مقتل، وتحول إيران إلى دولة مكشوفة استراتيجيًا في محيط إقليمي شديد الاضطراب، وهو ما لا تقبل به أي دولة تحترم مفهوم السيادة أو تسعى لحماية أمنها القومي. فالدول لا تتخلى عن عناصر قوتها الأساسية إلا في حالات الهزيمة العسكرية الكاملة، وليس على موائد التفاوض.
ثانيًا: استدعاء النموذج الليبي هو رسالة تهديد
لم يكن استحضار ترامب للنموذج الليبي عام 2003 تفصيلًا عابرًا أو مقارنة تاريخية بريئة، بل جاء محمّلًا بدلالات سياسية شديدة الخطورة. فليبيا، التي سلّمت برامجها النووية والصاروخية طواعية، انتهت بعد سنوات قليلة إلى دولة منهارة، ونظام أُسقط بالقوة، ومجتمع تفكك تحت وطأة الفوضى.
في الوعي الإيراني، يُنظر إلى هذا النموذج بوصفه دليلًا على أن التخلي الكامل عن أدوات الردع لا يقود إلى السلام، بل يفتح الباب أمام التدخل الخارجي وتغيير الأنظمة. وبالتالي، فإن مطالبة إيران بتكرار “السيناريو الليبي” تُفهم في طهران باعتبارها وصفة مؤكدة لفقدان الحماية، لا مسارًا لبناء الثقة أو تحقيق الاستقرار.
ثالثًا: إعادة هندسة الدور الإقليمي الإيراني بالقوة
تشترط الإدارة الأمريكية وقف الدعم الإيراني لما تصفه بالميليشيات في العراق ولبنان واليمن وسوريا، في خطوة تهدف إلى تفكيك النفوذ الإيراني الإقليمي دفعة واحدة. ورغم أن هذا الملف قابل – نظريًا – للنقاش ضمن ترتيبات أمن إقليمي شاملة، إلا أن طرحه بهذا الشكل الأحادي يحوّله من مطلب تفاوضي إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بالقوة.
الأخطر أن هذه الشروط لا تتضمن أي ضمانات أمنية مقابلة، ولا إطارًا جماعيًا يراعي مخاوف إيران أو مصالحها، بل تُصاغ بما يخدم طرفًا واحدًا في المعادلة الإقليمية، هو إسرائيل، التي يُترك لها التفوق العسكري والنفوذ الإقليمي دون قيود.
رابعًا: سلب خيرات إيران
يتجاوز الطرح الأمريكي
البعد الأمني ليصل إلى الهيمنة الاقتصادية المباشرة، عبر اشتراط فتح المجال أمام الشركات الأمريكية للتنقيب عن المعادن والموارد الطبيعية دون قيود أو شروط عادلة. هذا الطرح لا يعكس شراكات اقتصادية متكافئة، بل يقترب من منطق “عقود الإذعان”، حيث تُفتح الأسواق والموارد في ظل اختلال ميزان القوة، لا في إطار تعاون متبادل يحترم السيادة الاقتصادية.
شروط ترامب هي استسلام وليست للتفاوض
في المحصلة النهائية، تبدو شروط ترامب أقرب إلى وثيقة استسلام كامل منها إلى إطار تسوية سياسية. فهي تلغي مبدأ التدرج، وتغيب عنها الضمانات المتبادلة، ولا تترك لإيران أي مكسب سياسي أو سيادي يمكن تقديمه للرأي العام الداخلي بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا.
وعليه، فإن هذه الشروط – بصيغتها الحالية – لا تمثل فقط طرحًا قاسيًا وغير واقعي، بل تكرّس منطق المواجهة الدائمة، وتغلق أبواب الدبلوماسية، وتؤكد أن الأزمة مع إيران لا تزال تُدار بعقلية الإملاء وفرض الأمر الواقع، لا بمنطق التفاوض المتوازن القادر على إنتاج سلام حقيقي واستقرار مستدام في الإقليم.