فوزى جندي يكتب : قطار الحياة… رحلة بلا عودة

أخذت حقيبتي، واستعددت للسفر، ركبت القطار وجلست بجوار النافذة. لم يكن القطار مجرد وسيلة انتقال، بل بدا لي وكأنه صورة مصغّرة من الحياة نفسها. قطار يمضي بين ليل ونهار، صيف وشتاء، طفولة وشباب وشيخوخة، بين الألم والتجربة، الفرح والحزن، والفرص التي تمر ولا تعود.

وخلال جلوسي، وجدت ذاكرتي تسافر أبعد من القضبان. تذكّرت أحلامي الموزعة بين الماضي والحاضر والمستقبل. عاد بي الزمن إلى ماضٍ جميل، كانت فيه براءة الطفولة؛ مرحٌ ولعب، حبٌّ ونقاء، دفاتر مدرسة، وضحكات لا تعرف همًّا ولا قلقًا. مضى ذلك الماضي سريعًا دون أن أشعر كيف انقضى.

ثم جاءت محطة الشباب؛ طاقة متدفقة، عاطفة مشتعلة، وأحلام كبيرة. وجدت نفسي أمام مسؤوليات التعليم واختيار الطريق، والدخول إلى مجتمع جديد، وبداية زهور الحياة بأحلام الجامعة، والبحث عن شريك الحياة، ثم السعي وراء العمل، وتوفير القوت، ومساندة الأسرة، والوقوف إلى جانب الأب والإخوة. وبعدها يبدأ التفكير في تكوين أسرة، فإذا بالواقع يهتف بصوته الصارم، مختلفًا عن الأحلام.

نظرت إلى المستقبل، فبدا غامضًا في ظل غلاء المعيشة، وتسارع العولمة، وسطوة التكنولوجيا الحديثة، وعدم استقرار الحياة. متاعب متلاحقة، وضغوط لا تنتهي. كل هذا وأنا جالس في قطار الحياة، أحلم بحياة لم تكن كما تصورت، وأصطدم بواقع متغير ومتقلب.

رأيت النفاق والرياء وقد صارا وجهين مألوفين، وصديقًا يتحول إلى عدو، وحبيبًا يمثل الحب، وقريبًا يطمع في قريبه. رأيت أخًا أو أختًا يبيعان أخاهما من أجل المال، وطمعًا وجشعًا يتسللان إلى بعض النفوس. رأيت صاحب مصلحة يتقرب، فإذا انتهت مصلحته اختفى كأن المعرفة لم تكن. قلَّت المحبة الصادقة، وكثرت المجاملات الكاذبة، وغابت القيم تحت مسمى “الجيل الجديد”، حيث سادت المادة واندثرت المبادئ.

ومضى قطار الحياة، فاكتشفت أن الرحلة ليست نزهة، بل أثمانها مدفوعة من العمر والجهد، وربما الذل، ومقابلة الظلم، وواقع لم نتمنّه. بدت الحياة كأنها تسليم جيل إلى جيل، وكأن الإنسان خُلق ليزرع، ليحصد غيره. تعلمت أن الحياة سَلَفٌ ودَين، وأنك تحصد ما زرعت، وأن الضيق لا يدوم، والظلم له نهاية.

تعلمت أن الإنسان هو من يحدد شكل معيشته، وأن الشاطر من يخرج من هذه الرحلة بخبرات له ولأسرته، والذكي من يقتني الحكمة، ويبتعد عما لا يعنيه، ويضع لنفسه هدفًا واضحًا، لا يقلد أحدًا، ولا ينقاد خلف الأصدقاء، ولا يحسد غيره، ولا يطمع فيما ليس له. فهمت أن لكل إنسان حياته على هذه الأرض، وأن ما تفعله اليوم سيحصده أولادك غدًا، وأن اسمك يبقى بعدك بما صنعت.

أدركت أن الحياة امتحان وفرصة واختبار، وأن الإنسان هو من يكتب تاريخه بيده، لا ما يُكتب عنه فقط. وحينما رفعت رأسي من شرودي، وجدت القطار يقترب من نهاية المحطة. سألت أحد الركاب: هل يمكنني العودة إلى محطة الطفولة، إلى براءة الأيام وأحلام الشباب؟ فابتسم وقال: هذا قطار لا يعرف الرجوع. لا ندري متى ركبناه، ولا كيف وصلنا، لكنه حين يمضي لا يعود.

هكذا مضت محطة الحياة، وبقي البحث عن أول محطة في الذاكرة. ولهذا أقول لكل من يركب قطار الحياة: اجلس، وفكّر، واختر جيدًا. فالعمر لحظات تمضي بلا رجعة، والحياة محطات ومواقف. فاختر محطتك بعناية، واعرف أي قطار تسير فيه، إن أردت أن تصل بسلام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى