صموئيل العشاي يكتب: السلاح المُربك الذي غيّر قواعد العمليات العسكرية

في ساعات الفجر الأولى من الثالث من يناير 2026، غطّى ضباب رمادي كثيف شوارع كاراكاس، يلتف حول المباني العالية والأزقة الضيقة كأنه شبح يختبئ في كل زاوية. كانت العاصمة الفنزويلية، التي اعتادت على الفوضى اليومية والاحتجاجات الصاخبة، تبدو كمدينة أشباح تمامًا في تلك اللحظة. الشوارع خالية إلا من الضوء الأصفر الخافت لأعمدة الإنارة التي تومض بين الحين والآخر، والصمت المشحون يسيطر على كل شيء. في قلب هذا الهدوء المريب، وقف قصر ميرافلوريس الرئاسي شامخًا، يبدون هادئًا وواثقًا من طبقات الحماية المتعددة: أنظمة دفاع جوي روسية وصينية، كاميرات مراقبة متطورة، أقفال إلكترونية، وحراس مدربون. لكن على الورق فقط كانت هذه الحماية مترابطة؛ في الواقع، كان النظام بأكمله على وشك الانهيار التام، ولم يكن يعلم ذلك سوى الذين خططوا لهذه اللحظة بدقة متناهية على مدى أشهر.
عملية الاعتقال التي نفذتها قوات النخبة الأمريكية – بمساندة وحدة “نايت ستالكرز” الشهيرة (160th SOAR) – لم تكن مجرد اقتحام مسلح تقليدي، بل كانت عملية استراتيجية معقدة، دقيقة كالساعة السويسرية، ومبنية على تكنولوجيا غيرت قواعد اللعبة إلى الأبد.
طائرات هليكوبتر شبحية من طراز حلقت فوق القصر بصمت شبه مطلق، مزودة بتقنيات تجعلها غير مرئية تقريبًا للرادارات. كانت هذه الطائرات تلتقط كل حركة أرضية وتعيد بث البيانات لحظة بلحظة إلى غرفة قيادة متقدمة في قاعدة أمريكية، مجهزة بأحدث أنظمة الاستخبارات والذكاء الاصطناعي.
في أقل من ساعة واحدة، هبطت الفرق الخاصة، اجتازت الممرات المظلمة والحدائق الداخلية، وتعاملت مع الأبواب والمداخل الإلكترونية التي توقفت فجأة عن العمل. توغلوا نحو الجناح الرئاسي حيث كان الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في لحظة الصدمة الأولى. أيدي الجنود الأمريكيين على الزناد، أعينهم ترصد كل ظل، لكن لا طلقة نار واحدة أُطلقت، ولا مقاومة حقيقية ظهرت. القصر نفسه بدا كأنه استسلم قبل أن يُفتح الباب الأخير.
السر الذي كشفه ترامب: “الديسكومبوبيولاتور”
بعد أسابيع من العملية، ظل السر محاطًا بالغموض حتى جلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المكتب البيضاوي لمقابلة حصرية مع صحيفة “نيويورك ب. كشف ترامب جزءًا منه في 24 يناير 2026، واصفًا الجهاز بكلمة واحدة: “المربك”.
قال ترامب: “لست مسموحًا لي بالحديث عنه… لكننا دخلنا، وضغطوا على الأزرار ولم يعمل شيء. كانوا مستعدين لنا تمامًا، لكن المعدات توقفت عن العمل”. هذا السلاح السري، الذي يجمع بين الطاقة الموجهة، والميكروويف عالي التردد والنبضات الكهرومغناطيسية المركزة، يعطل كل شيء إلكتروني: رادارات، صواريخ أرض-جو روسية وصينية، منظومات دفاع جوي، كاميرات، أقفال إلكترونية، وحتى الأسلحة الصغيرة التي تعتمد على دوائر دقيقة.
وعلى الجانب البشري، يولد الجهاز أعراضًا فورية: دوار شديد، غثيان، فقدان توازن، تشويش في التركيز، وعجز عن اتخاذ قرارات سريعة – أعراض تشبه ما عُرف بـ”متلازمة هافانا” التي أصابت دبلوماسيين أمريكيين سابقًا. ترك هذا الحراس والجنود الفنزويليين عاجزين تمامًا عن المقاومة، دون إصابات قاتلة.
خلف الكواليس: أشهر من التحضير الاستخباراتي
لم تكن العملية صدفة، بل نتيجة تخطيط دام أشهرًا:
• رصد دقيق لترددات الدفاعات الجوية الروسية والصينية.
• تحليل نقاط ضعف البنية التحتية الأمنية للقصر: كل كاميرا، كل قفل إلكتروني، كل جهاز.
• رسم خرائط بيومترية ولوجستية لحركة الحراس، أوقات تبديل المناوبات، وأنماط الإضاءة.
• تدريبات مكثفة في بيئات محاكاة مشابهة.
بهذه المعلومات، تحول “الديسكومبوبيولاتور” من سلاح إلى أداة تحكم كاملة في البيئة المعادية.
كيف نجت القوات الأمريكية دون أذى؟
- مسارات آمنة مبرمجة: الجهاز يوجه نبضاته نحو مناطق محددة بدقة، تاركًا ممرات آمنة للفرق المهاجمة.
- بدلات ومعدات مقاومة: الجنود مجهزون بتقنيات تحميهم من النبضات الكهرومغناطيسية والميكروويف.
- فجوة ترددية انتقائية: الترددات الأمريكية مختلفة جذريًا عن تلك المستخدمة في الدفاعات الفنزويلية، مما جعل التأثير موجهًا نحو العدو فقط.
مشهد العملية من الداخل
في الممرات الطويلة المزخرفة، اختفت أصوات خطوات الجنود تقريبًا بفضل أحذيتهم الخاصة. الأبواب الإلكترونية أصدرت إشارات ضوئية خاطفة ثم توقفت. تواصلوا بالإشارات اليدوية، يقفزون عتبات ويفتحون خزائن دون عناء. في غرفة المراقبة الأمريكية، كانت الشاشات تعرض كل شيء في الوقت الفعلي: نبضات الجهاز، خلل الأنظمة، خطوات الجنود – حرب رقمية اختزلت القتال إلى بيانات متحركة.
تداعيات دولية وأخلاقية هزت العالم
العملية والكشف عن السلاح فجرا جدلاً عالميًا عنيفًا:
• روسيا والصين: وصفتاها بانتهاك صارخ للسيادة وتهديد للأمن الدولي، مع تلميحات إلى “حرب تكنولوجية جديدة”.
• دول أمريكا اللاتينية المعارضة لمادورو: احتفلت بها كخطوة نحو الاستقرار والديمقراطية.
• داخل الولايات المتحدة: أشاد الكونغرس بالنجاح التام دون خسائر أمريكية، لكن منظمات حقوقية حذرت من مخاطر أسلحة “غير قاتلة” تؤثر نفسيًا وجسديًا، وفتح باب لانتهاكات مستقبلية.
عصر الإرباك قبل الرصاص
ما حدث في كاراكاس لم يكن مجرد اعتقال رئيس، بل إعلان تحوّل جذري في طبيعة الحروب الحديثة. سلاح لا يقتل جسديًا، لكنه يشل العقل والإرادة والتكنولوجيا معًا، ويجعل المقاومة مستحيلة قبل أن تبدأ.
“الديسكومبوبيولاتور” أصبح رمزًا لحقبة جديدة: عصر لا يبدأ فيه القتال بالرصاص، بل بالإرباك الكامل للعدو. الحروب المستقبلية لن تُقاس بعدد القتلى، بل بمدى السيطرة على العقول، تعطيل الأجهزة، وتحويل البيئة نفسها إلى سلاح. كاراكاس في 3 يناير 2026 كانت أول إعلان رسمي لهذا الواقع الجديد المخيف.