مدير تحرير أخبار اليوم : تحويلات المصريين بالخارج ليست «مِنّة» على الدولة

منذ سنوات، ومع كل قرار اقتصادي تتخذه الدولة، يعود الجدل حول تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ويجري تقديمها في بعض وسائل الإعلام باعتبارها ورقة ضغط أو فضلًا يُمنّ به على الدولة، وكأن هذه التحويلات عمل استثنائي لا تحكمه المصالح. هذا الطرح يخلط بين العاطفة والاقتصاد، ويُحمّل ملفًا وطنيًا أكثر مما يحتمل. في هذا الحوار، يقدّم الكاتب الصحفي رفعت فياض، مدير تحرير أخبار اليوم، قراءة واضحة وصريحة لهذا الجدل، ويضع النقاط فوق الحروف بعيدًا عن المزايدات.
س: كيف تقرأ الجدل المتكرر حول تحويلات المصريين العاملين بالخارج؟
ج: هذا جدل مفتعل يتم استدعاؤه كلما أراد البعض الاعتراض على قرار اقتصادي. الخطأ الأساسي أنه يتعامل مع تحويلات المصريين بالخارج باعتبارها «مِنّة» أو فضلًا على الدولة، بينما هي في الحقيقة معاملة اقتصادية كاملة الأركان، يحصل المغترب مقابلها على الجنيه المصري وفق سعر الصرف الرسمي لينفقه على مصالحه داخل بلده.
س: هناك من يحذر من أن أي قرار قد يُغضب المصريين بالخارج سيؤدي إلى تراجع التحويلات الدولارية، ما ردك؟
ج: هذا نوع من الضغط غير المقبول على الدولة. لا توجد دولة تُدار بالخوف من مواطنيها. المصري بالخارج يُحوّل أمواله لأنه مستفيد، وليس بدافع المجاملة أو العاطفة، وإذا خضعنا لهذا المنطق فلن نتمكن من اتخاذ أي قرار اقتصادي في المستقبل.
س: كيف تقيّم الهجوم الذي تعرّضت له الدولة بسبب ضريبة الهاتف المحمول القادم من الخارج؟
ج: ما حدث كان مغازلة واضحة للرأي العام على حساب مصلحة الدولة. القرار منطقي، والضريبة لا تُفرض على غير القادر، بل على من يملك القدرة. المشكلة أن بعض الإعلاميين والنواب فضّلوا تسجيل موقف شعبوي دون حساب خسارة الدولة لمئات الملايين من الجنيهات.
س: هل تضرر المصريون بالخارج فعليًا من هذا القرار كما قيل إعلاميًا؟
ج: لا، وهذا ما أكده د. محمد شعيب، وهو يعمل بالخارج، حين قال إن هذا الجدل غير موجود أصلًا بين المغتربين، لا في أماكن العمل ولا في تجمعاتهم ولا حتى على جروباتهم. الضجة صُنعت في الداخل أكثر مما هي موجودة في الخارج.
س: كيف صنّف أوضاع المصريين بالخارج في هذا السياق؟
ج: صنّفهم إلى فئتين بواقعية شديدة؛ الفئة الأولى تضم أصحاب الدخول المرتفعة من الاستشاريين ومديري المشروعات، وهؤلاء لا تمثل لهم ضريبة 500 دولار على هاتف آيفون أي عبء حقيقي. أما الفئة الثانية فهي من المستورين والبسطاء الذين غالبًا لا يغيّرون هواتفهم إلا بعد سنوات طويلة، ويمتلكون هواتف تقليدية، ولديهم أولويات معيشية أهم بكثير من هذا الجدل.
س: لماذا إذن يتم تصوير الأمر وكأنه أزمة كبرى؟
ج: لأن بعض الأطراف اعتادت استخدام ملف المصريين بالخارج كورقة ضغط سياسية وإعلامية. يتم تضخيم القضايا وتقديمها بشكل عاطفي لإحراج صانع القرار، وليس بدافع الحرص الحقيقي على مصلحة المغتربين أو الدولة.
س: اتفقت مع ما قاله الإعلامي محمد الباز حول دوافع التحويلات، كيف تشرح ذلك؟
ج: ما قاله يعكس الواقع بدقة. المصري بالخارج يُحوّل أمواله لمصلحته الشخصية في المقام الأول، وليس من أجل الدولة. والدليل أنه في فترات وجود سعرين للعملة وانتشار السوق السوداء، لم تُحوّل الأموال عبر البنوك، بل عبر السماسرة بحثًا عن السعر الأعلى، وهو حق شخصي، لكنه يؤكد أن التحويلات ليست «مِنّة».
س: هل في هذا الكلام اتهام للمصريين بالخارج؟
ج: إطلاقًا. لا أتهم أحدًا ولا أشكك في وطنية أحد. البحث عن المصلحة الشخصية حق مشروع. اعتراضي الوحيد هو استخدام قضاياهم كذريعة للهجوم على الدولة كلما اتخذت قرارًا اقتصاديًا منطقيًا.
س: من وجهة نظرك، من الأولى بالدعم في المرحلة الحالية؟
ج: المواطن البسيط في الداخل، الذي يعاني من الغلاء وتآكل الدخل. من يعمل بالخارج ويتقاضى دخلًا جيدًا قادر على تحمّل ضريبة منطقية، بينما عائد هذه الضريبة يمكن أن يوجَّه لتحسين الخدمات لمن لا يملك هذا الخيار.
س: ما الرسالة التي تود توجيهها للإعلام في هذا الملف؟
ج: أن يتعامل بمسؤولية. كفانا دغدغة للمشاعر ومزايدات على حساب الدولة. القرارات الاقتصادية يجب أن تُناقش بعقل ومنطق، لا بالخوف من تهديدات غير واقعية بتراجع التحويلات.
س: أشرت إلى قضية الاتجار بالأراضي من بعض المصريين بالخارج، هل ستتناولها لاحقًا؟
ج: نعم، هذه قضية أخرى لها أبعاد اقتصادية واجتماعية خطيرة، وستكون محور مقال مستقل، لأنها تحتاج إلى نقاش جاد بعيدًا عن الانفعال