المستشار علي الهواري.. قاضٍ عاش للعدل ولم يساوم على الضمير

صموئيل العشاي يكتب
المستشار علي الهواري ليس اسمًا عابرًا في سجل القضاء المصري، بل سيرة ممتدة لقاضٍ اختار أن تكون العدالة أسلوب حياة، وأن يدفع من عمره وراحته ثمنًا للنزاهة، دون ضجيج أو بحث عن أضواء. على مدار عقود طويلة، ارتبط اسمه بالشرف، وبالحفاظ على المال العام، وبالانحياز الدائم للقانون في زمن كثرت فيه الضغوط وتشابكت فيه المصالح.
وُلد المستشار علي محمد عمر الهواري عام 1957 في مدينة دشنا بمحافظة قنا، في قلب الصعيد المصري، حيث الكرامة أصل لا يُمس، والمبدأ لا يُفاوض عليه. ينتمي إلى قبيلة البلابيش، إحدى قبائل هوارة العريقة، وهو انتماء لم يكن مجرد نسب، بل انعكس على شخصيته صلابة في الموقف، ووضوحًا في الرؤية، وتمسكًا عنيدًا بالحق. تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وحين التحق بسلك النيابة العامة عام 1978، لم يكن يرى المنصب وجاهة اجتماعية، بل أمانة ثقيلة ومسؤولية أمام الله والناس.
تنقل في بداياته بين نيابات سوهاج، حيث اقترب من وجع البسطاء، وتعلم أن العدالة ليست نصوصًا جامدة، بل مصائر بشر تنتظر الإنصاف. ثم عمل في نيابة أمن الدولة العليا، قبل أن يُعار إلى مملكة البحرين، ويتولى منصب الادعاء العام حتى عام 2003، في تجربة أضافت إلى خبرته المهنية عمقًا واتساعًا، دون أن تنتزع منه هويته أو تُضعف تمسكه بمبادئه.
عاد إلى مصر أكثر خبرة وأكثر صلابة، فواصل مسيرته في محاكم الجنايات، وتولى دوائر شديدة الحساسية، عُرف فيها بالحسم والدقة والانضباط الصارم بالقانون. لم يكن قاضيًا يرفع صوته، بل قاضيًا يفرض احترامه بعدالته، ويصنع هيبته بنزاهته. وحين انتُدب محاميًا عامًا أول لنيابة الأموال العامة العليا، كان الوطن يمر بمرحلة فارقة، خاصة في السنوات التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، حيث انفجرت ملفات الفساد، وتعاظمت التحديات.
في تلك المرحلة، أصبح اسم المستشار علي الهواري علامة فارقة في التحقيقات الجادة. واجه ملفات ثقيلة بلا تردد، وفتح قضايا شائكة تتعلق بإهدار المال العام، من بينها قضايا منجم السكري، ومخالفات بطولة أمم أفريقيا 2006، وتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات حول شركات القطاع العام. لم يكن يخشى نفوذًا، ولم ينحنِ لضغط، ولم يسمح بأن تتحول العدالة إلى تسوية أو صفقة. كان يؤمن أن المال العام خط أحمر، وأن التفريط فيه جريمة في حق الوطن.
نزاهته لم تكن شعارات تُردد، بل مواقف تُتخذ وتُدفع أثمانها. عُرض عليه منصب النائب العام مرتين، عامي 2012 و2015، وكان من أبرز المرشحين، لكنه اختار أن ينحاز لضميره، رافضًا الدخول في أي مسار قد يمس استقلاله أو حياده. وفي نوفمبر 2012، تقدم بطلب إنهاء ندبه والعودة إلى منصة القضاء، في موقف نادر، أرسل به رسالة واضحة مفادها أن القاضي الحقيقي لا يقايض مبادئه بالمناصب، ولا يسمح أن يكون طرفًا في أي صراع.
من يعرفون المستشار علي الهواري عن قرب، يتحدثون عن رجل يجمع بين الصرامة في العمل والإنسانية في التعامل. صعيدي أصيل، كريم، مضياف، لا يغلق بابه في وجه أحد، ولا يرد مظلومًا، لكنه حين يتعلق الأمر بالقانون، لا يرى إلا نصوصه وروحه، ولا يسمع إلا صوت الضمير. لا يعرف التراخي، ولا يساوم، ولا تتبدل مواقفه بتبدل الظروف.
وفي حديثه الدائم عن العدالة، يؤكد أن القاضي إنسان له مشاعر، لكنه لا يسمح لأحد أن يستدرجه بعاطفته. يفرق بوضوح بين التعاطف الإنساني المشروع، وبين الضغوط الشعبية أو الإعلامية التي قد تخل بميزان العدل. يؤمن أن الأحكام لا تُصنع تحت تأثير الانفعالات، بل تُبنى على الأدلة، وأن هيبة القضاء لا تُصان إلا بالالتزام الصارم بالقانون.
مسيرة المستشار علي الهواري تمتد لما يقرب من نصف قرن، لم تُلطخها شبهة، ولم تنحنِ لعاصفة، ولم تغرها المناصب. وحين يُطرح اسمه اليوم ضمن أبرز المرشحين لتولي منصب وزير العدل، فإن ذلك لا يأتي من فراغ، بل كتتويج طبيعي لمسيرة قاضٍ عاش نظيف اليد، مستقيم الموقف، صلب الضمير.
المستشار علي الهواري ليس مجرد قاضٍ أدى واجبه، بل نموذج نادر لقاضٍ عاش العدالة سلوكًا يوميًا، وحمى المال العام بضمير حي، وحافظ على كرامة السلطة القضائية في أصعب اللحظات. وفي زمن يبحث فيه المجتمع عن القدوة، يظل اسمه شاهدًا على أن النزاهة ما زالت ممكنة، وأن العدل حين يسكن القلوب يتحول إلى رسالة حياة