علي الدين هلال: 2025 توترات جيوسياسية حول العالم

أوضح الأستاذ الدكتور علي الدين هلال أن عام 2025 كان حافلًا بالتوترات الجيوسياسية واستمرار الصراعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم. وأشار إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية استمرت رغم محاولات التوسط، مما يجعل هذا النزاع محور اهتمام الأمن الأوروبي والعالمي في 2026. وتطرق إلى ثلاث مسارات رئيسة لمستقبل الحرب: المسار الأول مسار تفاؤلي يتمثل في تبلور موقف أمريكي-أوروبي متقارب وتأسيس مفاوضات بين أوكرانيا وروسيا، مع مشاركة محتملة من الأمم المتحدة لإسباغ الشرعية الدولية وتخفيف تكاليف الاستمرار في الحرب. المسار الثاني أقل تفاؤلًا عبر قبول الطرفين بهدنة طويلة الأمد تقرّ بجمود الحرب وتجميدها مع إبقاء مناطق واسعة تحت السيطرة الروسية في شرق أوكرانيا. أما المسار الثالث فيفترض استمرار القتال وتزايد شدته وتوسيع الاستراتيجيات العسكرية مع احتمال حصول أوكرانيا على أسلحة تقليدية عالية التدمير من الدول الأوروبية للمساعدة في الضغط على شروطها.

مسارات المستقبل للحرب

تواجه قارة آسيا مشهدًا مركبًا يجمع المنافسة الكبرى والتوترات المحلية. ظلت العلاقات الأمريكية-الصينية تجمع بين المنافسة والتعاون وتخللتها خلافات حول الرسوم الجمركية وتزايدت الضغوط حول تايوان. وبفضل الاعتماد الاقتصادي المتبادل، لم تُسجَّل أزمات كبرى واستُعيدت عناصر التفاوض وتبادل المعلومات. من المتوقع أن تستمر هذه الدينامية في 2026 مع تعزيز إجراءات بناء الثقة وخطوط حمر مشتركة بين الطرفين.

شهدت آسيا صراعًا مسلحًا بين الهند وباكستان خلال الفترة 7-10 مايو 2025 بعد تصعيد متبادل، وهو أشد مواجهة بين البلدين خلال عقود وتدخلت دول عدة لوقف إطلاق النار. كما استمر الخلاف حول تايوان مع تكثيف الصين للمناورات العسكرية، فيما واصلت الولايات المتحدة دعم تايوان بالسلاح وتوسيع وجودها في المحيط الهادئ. وبقيت كوريا الشمالية في حالة تعزيز للقدرات العسكرية، مع مواصلة المناورات الأمريكية-الكورية الجنوبية وارتفاع اليقظة في اليابان. وتواصلت المناقشات حول التجارة والاستثمار كإطار لبناء الثقة بين القوى في المنطقة.

آفاق الشرق الأوسط ومآلات السلام

في الشرق الأوسط، ظل القتال بين إسرائيل وحماس والفصائل الفلسطينية مستمرًا منذ 2023 وتبلورت تحركات سياسية مهمة تناولها مؤتمر نيويورك في سبتمبر 2025 الذي أكد أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة هو الطريق الوحيد لتسوية النزاع. وقبل ذلك أعلنت المملكة المتحدة وكندا وأستراليا اعترافها بدولة فلسطين في 21 سبتمبر وتلتها فرنسا في اليوم التالي. وعقب ذلك أعلن الرئيس ترامب في 29 سبتمبر 2025 خطته لوقف إطلاق النار وإعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني وإعادة الإعمار، لكن استمرت العمليات والاعتداءات والاستيطان. وترافقت هذه التطورات مع استمرار الاستقطاب حول مسارات الحل في 2026، حيث يُطرح تفاؤل باستمرار خطة السلام وتقدمها، وترافقه تحفظات حول قدرة الأطراف على تنفيذ الترتيبات على الأرض.

ويقف مسار الفلسطيني الإسرائيلي عند مفترق طرق في 2026، فالمسار الأول تفاؤلي ويتمثل في استمرار تطبيق خطة ترامب للسلام والانتقال إلى المرحلة التالية من الحل، بينما يظل المسار الثاني تشاؤميًا نتيجة للمماطلة وتراجع الاهتمام الأميركي واستمرار الاعتداءات على السكان وفرض القيود على دخول القطاع. في هذا السياق تبقى الأوضاع في الضفة الغربية والقطاع غزة عرضة لتبدلات سياسية وأمنية تؤثر في فرص الاستقرار ورفع المعاناة الإنسانية.

أولوية إيران وتداعياتها الإقليمية

وفي سياق إيران تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل في 2025 بعد تعثر الوصول إلى اتفاق تفاوضي بشأن البرنامج النووي الإيراني، ويظل الملف الإيراني عاملًا حاسمًا في الاستقرار الإقليمي خلال 2026 في حال عودة أنشطة إيران النووية دون اتفاق. يظهر احتمال قيام إسرائيل بضربة عسكرية استباقية لضرب منشآت إيران النووية بتنسيق مع الولايات المتحدة، وإذا حدث ذلك فقد ترد إيران بهجمات صاروخية وربما بمشاركة من جماعات في المنطقة، مع احتمال اضطراب في أسواق النفط. وفي المقابل قد ينجح المسار الدبلوماسي في إحياء المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا وتوقّع وصول إلى اتفاق مؤقت أو تفاهمات مرحلية تخفف خطر المواجهة وتفتح الباب لحلول أوسع.

التحديات في إفريقيا وتداعياتها

استمرت إفريقيا في مواجهة نزاعات دامية وتفاقم الأوضاع الإنسانية، حيث ظلت السودان ساحة حرب مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع ولم تُحقّق جهـود الوساطة نجاحًا كبيرًا في وقف القتال أو ترتيب هدنة إنسانية. وفي منطقة الساحل استمر تفاقم عدم الاستقرار بسبب الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتواصل تمدّد الجماعات الجهادية المسلحة، ما يعزز المخاطر الأمنية والإنسانية في الإقليم. وتبقى احتمالات تفكك السودان إلى مناطق نفوذ وتزايد التدخلات الخارجية قائمة، مع ضرورة دعم الحكومات وتعزيز التنمية ومكافحة الفساد لاحتواء الأزمة.

الأمريكتان وتحدياتها الداخلية

أما في الأمريكتين فاشتدت الأزمات الداخلية مع استمرار انعدام الأمن في هايتي رغم نشر قوة متعددة الجنسيات بقيادة كينيا، واستمرار الحرب التي يشعلها الجيش في المكسيك ضد الكارتلات وعصابات المخدرات. كما تصاعدت المواجهة بين الولايات المتحدة وفنزويلا في الأشهر الأخيرة من 2025، وهو ما يعكس تزايد التوترات بين القوى الإقليمية الكبرى والجهات غير الحكومية في المنطقة. وتلك التطورات تشير إلى أن 2025 كان عامًا مضطربًا من حيث الأمن والسياسة الداخلية في القارة الأمريكية، مع ترقب لنتائجها وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي.

خلاصة وتوقعات 2026

سنة 2026 ستشكل اختبارًا لقدرة النظام الدولي على مواجهة مخاطر النزاعات المسلحة بين الدول والصراعات الداخلية والانقلابات والإرهاب، مع البناء على ما تحقق في عام 2025 وتطبيقه حيث أمكن وتوسيع تفاهمات جديدة في بعض الصراعات. كما ستبرز الضغوط السياسية الناجمة عن تغير المناخ كعنصر مؤثر على الأمن والاستقرار عبورًا للحدود الوطنية. وليس من الممكن إنهاء كل صراع في عام واحد، بل يمكن تعديل أسلوب إدارة الصراع من القتال إلى مائدة المفاوضات ومناقشة جذور الصراع والتوافق على حلول وحلول مستدامة. وفي هذا السياق تبقى الاستراتيجيات الأمريكية الجديدة توازنًا بين الردع والمفاوضات، مع تعاون دولي في حالات تتوافق فيها المصالح، كما ظهر في امتناع روسيا والصين عن التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن وخطة سلام غزة في نوفمبر 2025.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى