جمال عبد الناصر: هند صبري تعيد تشكيل الباطنية دراميا في مناعة

تستكشف هذه القراءة الحلقة الأولى من مسلسل مناعة وتعيد قراءة صعود غرام في عالم الممنوعات كيانًا اجتماعيًا محكم القوانين. يُطرح الدخول إلى عالم الباطنية كتركيب اجتماعي كامل، لا كخلفية شعبية فحسب. يُعيد العمل بناء مزاج تلك الحقبة ويُخلط بين التجارة غير المشروعة وشبكات النفوذ العائلية حتى يصبح البقاء نفسه فعل مقاومة.
يعرض الإطار السردي وجود طبقات مكانية وأزقة ضيقة وألوان باهتة، مع إضاءة مائلة إلى الأصفر تخلق إحساس الاختناق. تعمل هذه العناصر كفاعل سردي يحاصر الشخصيات ويعزز من مناخ التوتر. ولا يعتبر المكان مجرد خلفية، بل يساهم في تشكيل قوانين السلوك والمخاطر المحيطة بالشخصيات.
الإطار السردي والإخراج
يؤكد الإطار السردي أن عالم الباطنية ليس مجرد خلفية بل بنية اجتماعية ذات قواعد ولغة خاصة. يعيد المزج بين أجواء السبعينيات والثمانينيات إلى مزاج الحكاية مع تقديم صراع نفوذ عائلي معقّد. يُبرز أن البقاء نفسه يتحول إلى فعل مقاومة ضمن هذا النظام المغلق.
يعزز وجود المكان كفاعل سردي حضور الشخصيات ضمن حدود قاسية. يُرسّخ الأزقة والضوء الأصفر الشعور بالاختناق ويمنح السرد إيقاعًا دومًا. المكان لا يُرى كخلفية بل كمكوّن يدفع الحدث ويشير إلى مخاطر العالم السري.
الأداء الدرامي
تبرز هند صبري في أداء غرام قدرة على إدارة التحول الداخلي دون قفزات ميلودرامية حادة. فالتحول لا يأتي عبر خطاب صاخب بل يتشكل تدريجيًا من تراكم النظرات وتعديلات دقيقة في طبقة الصوت وطريقة الوقوف وإيقاع الحركة. ويظهر ذلك جليًا في مشهد خطوبة أختها مها نصار عندما تتغير مواقفها بعد الاطلاع على معلومة جديدة عن العلاقة. هذا التوازن بين الخوف والحسابات الباردة يمنح الشخصية صدقية مميزة.
يرتكز الديكور الواقعي في مناعة على إعادة تشكيل طبقات المكان والازقة والألوان الباهتة والإضاءة القاتمة. تساهم هذه العناصر في إحداث إحساس بالضغط والاختناق وتؤكد أن المكان نفسه يسهم في سرد الأحداث. لا توجد لقطات تجميلية وتُحافظ الكاميرا على حذرها كأنها تتلصص على عالم مغلق. تُصبح المقابر فضاءً دراميًا يدمج الرمزية مع الواقع ويعطي السرد عمقًا إضافيًا.
عالم المخدرات والطرح الاجتماعي
يربط العمل تجارة المخدرات بالبنية الاجتماعية من فقرٍ وذكورةٍ وسترٍ وتطلع نحو الأمان خارج إطار منظومة أخلاقية. يُنظر إلى الصعود في هذا العالم كخيار اضطراري داخل سياق خانق وليس بطولة. يقدم العمل طرحًا نقديًا يربط بين الواقع الاقتصادي وبنية اجتماعية تؤدي إلى صعودٍ لا يخلو من العنف والفساد. تُظهر غرام كيانًا مركبًا يحوّل ضعفه إلى أداة قوة وتصبح مناعتُها الفكرية حماية لها في عالم لا يرحم.
تؤكد هذه القراءة أن هند صبري تواصل بناء شخصيات نسائية معقدة تتيح للعمل الحفاظ على عمقه الدرامي. تجسد غرام امرأة تتعامل مع هشاشتها كدرع وتوظف خوفها كمنعة في عالم لا يرحم. بهذه الصورة يثبت المسلسل قدرته على الموازنة بين الواقعية الاجتماعية والطرح الدرامي دون مبالغة.