فوزي جندي : صرخة في وجه التحرش… أين نحن من أخلاقنا؟

استيقظت مبكرًا كعادتي، أنتظر صديقي لنذهب إلى العمل، لكنه تأخر. اضطررت أن أستقل الأتوبيس العام وحدي. وما إن ركبت حتى فوجئت بالزحام الشديد؛ سيدات واقفات، وشباب ورجال يجلسون في أماكنهم دون اكتراث. نظرت يمينًا ويسارًا، فرأيت فتاة تقف وسط الزحام، وبجوارها شاب يرمقها بنظرات غير آدمية. لم تمض لحظات حتى بدأ التحرش بالكلمات، ثم تطور إلى تحرش جسدي فجّ.
الأصعب من الفعل ذاته، كان الصمت. لم يتكلم أحد. لم يتحرك أحد. كانت الفتاة تبكي في صمت، بين ضغط الأجساد وقسوة النظرات، بينما الجميع يشيح بوجهه كأن الأمر لا يعنيه. هنا تساءلت: كيف وصل بنا الحال إلى هذا الحد؟ متى تحولت إنسانيتنا إلى هذا الجمود؟
جلست أفكر في أمي، وأختي، وابنتي… في كل فتاة تضطر يوميًا إلى ركوب المواصلات لتعمل أو تدرس أو تعيش حياتها. كم واحدة منهن تتعرض لهذا الألم كل يوم؟ وهل المشكلة في المرأة؟ في ملابسها؟ في شكلها؟ أم المشكلة فينا نحن؟ في أفكار انحدرت، وفي ضمير تراجع، وفي تربية غابت؟
الحقيقة المؤلمة أن التحرش لا يبدأ بلمسة، بل يبدأ بنظرة، بفكرة، بكلمة خادشة. كل نظرة غير محترمة تحرش، وكل لفظ جارح تحرش، وكل اقتراب مقصود لإيذاء الآخر تحرش. إنها سلسلة تبدأ صغيرة، ثم تتطور لأننا نصمت، لأننا نبرر، لأننا نتفرج.
أي رجولة هذه التي تجعل امرأة تقف في الأتوبيس بينما نجلس نحن؟ أي شهامة تسمح بأن تُهان فتاة أمام أعيننا ولا نتحرك؟ الرجولة ليست قوة جسد، بل قوة أخلاق. الرجولة أن تحمي لا أن تؤذي، أن تدافع لا أن تستغل، أن تمنح الأمان لا أن تنزعه.
وإلى المتحرش أقول: ماذا لو كانت هذه الفتاة أمك أو أختك أو زوجتك؟ أكنت ستصمت؟ أم كنت ستثور غضبًا؟ لماذا تحلل لنفسك ما تحرمه على غيرك؟ أليست المرأة إنسانة مثلك؟ أليست هي من ربتك وحملتك واعتنت بك صغيرًا؟
المشكلة ليست في القانون وحده، رغم أهمية تطبيقه بحزم. القانون موجود، لكن ما نحتاجه قبل ذلك هو صحوة ضمير. نحتاج إلى تربية حقيقية داخل البيوت، وتعليم يغرس الاحترام، وثقافة تعلي قيمة الإنسان بغض النظر عن جنسه أو مظهره. لا يمكن لدولة أن تضع شرطيًا بجوار كل فتاة، لكن يمكن لكل واحد منا أن يكون رقيبًا على نفسه.
المؤلم أن التحرش لم يعد مقتصرًا على الشارع أو المواصلات، بل امتد إلى بعض أماكن العمل، وإلى مواقع يفترض أن تكون آمنة ومحترمة. مدير يضغط على موظفة، مدرس يستغل طالبة، مسؤول يساوم على خدمة… وكأن الأمر أصبح عادة. هذا انحدار خطير لا يسيء إلى فرد بعينه، بل إلى مجتمع كامل.
نحن لا نحتاج فقط إلى عقوبات رادعة، بل إلى ثورة أخلاقية داخلية. نحتاج أن نربي أبناءنا على أن المرأة ليست فريسة، بل شريكة في الحياة. ليست سلعة، بل إنسانة كاملة الحقوق. نحتاج أن نتذكر أن التقدم لا يُقاس بالبنايات والطرق فقط، بل بالأخلاق والقيم.
متى تعيش المرأة في أمان حقيقي؟ عندما نقرر نحن أن نحترمها. عندما نقف إذا وقفت، وندافع إذا تعرضت للأذى، ونربي أبناءنا على أن الكرامة لا تتجزأ.
الإصلاح يبدأ من الداخل. من البيت. من الضمير.
فلنستيقظ قبل أن نفقد ما تبقى من إنسانيتنا.