الفنان محمد امين .. الفن بقي بالوساطة والشلة

مع اشتداد المنافسة في موسم دراما رمضان 2026، خرج صوت من داخل الوسط الفني ليكسر دائرة المجاملات الصامتة. فقد أثار الممثل محمد أمين جدلاً واسعًا بعد نشره فيديو انتقد فيه آليات اختيار الممثلين، معتبرًا أن الفرص لا تُمنح دائمًا وفق معيار الكفاءة الفنية، بل كثيرًا ما تحكمها شبكات العلاقات والمصالح المتبادلة.

حديث أمين لم يكن مجرد شكوى شخصية، بل بدا صرخة احتجاج على خلل هيكلي يراه متجذرًا في منظومة الإنتاج. فبحسب ما طرحه، تتكرر أسماء بعينها في الأعمال الرمضانية عامًا بعد عام، بينما تبقى طاقات أخرى خارج المشهد رغم امتلاكها أدوات فنية وخبرة طويلة. وهنا لا يصبح السؤال عن “من يعمل؟” فقط، بل عن “كيف ولماذا؟”.

الانتقاد الذي طرحه يلامس قضية أعمق من مجرد توزيع أدوار. فحين تتغلب العلاقات الشخصية على اعتبارات الموهبة، تتحول الصناعة من ساحة تنافس مفتوحة إلى دائرة مغلقة. هذا الانغلاق لا يضر الأفراد وحدهم، بل ينعكس مباشرة على جودة المنتج الدرامي. فالتنوع في الوجوه والخبرات هو ما يخلق حيوية المشهد ويمنحه القدرة على التجدد.

إعادة تدوير نفس الاختيارات تُضعف عنصر المفاجأة وتقلل من مساحة المغامرة الفنية. والدراما بطبيعتها تحتاج إلى جرأة في الدفع بوجوه جديدة، وإلى ثقة في أن الجمهور قادر على تقبّل المختلف متى كان صادقًا ومقنعًا. فالجمهور لا ينحاز للاسم بقدر ما ينحاز للأداء الحقيقي والعمل المتقن.

وتحدث أمين عن مسيرة امتدت لنحو ثلاثين عامًا من العمل والاجتهاد دون أن ينال — بحسب تعبيره — الفرصة التي تعكس إمكاناته الفعلية. هذا البعد الشخصي منح حديثه صدقًا إنسانيًا، لكنه في الوقت ذاته يفتح بابًا لنقاش أوسع: هل المشكلة حالة فردية، أم نمط متكرر داخل الصناعة؟ وهل توجد بالفعل آليات شفافة للترشيح والاختيار، أم أن الأمر يظل رهين توازنات غير معلنة؟

التفاعل الواسع مع الفيديو — بين مؤيد يرى فيه شهادة شجاعة من داخل المنظومة، ومتحفظ يعتبره تعميمًا قاسيًا — يعكس حساسية الملف. فالوسط الفني قائم بطبيعته على شبكات علاقات، لكن الخط الفاصل بين “العلاقة المهنية” و”المحاباة” هو ما يصنع الفارق الأخلاقي ويحدد مسار العدالة.

لا يمكن إنكار أن صناعة الدراما تخضع لعوامل تجارية وتسويقية، وأن شركات الإنتاج تبحث عن أسماء تضمن نسب مشاهدة مرتفعة. لكن الرهان الدائم على الأسماء نفسها قد يتحول مع الوقت إلى مخاطرة معاكسة، إذ يخلق حالة من التشبع ويفقد الجمهور عنصر الاكتشاف والتجديد.

الحل لا يكمن في الاتهامات المتبادلة، بل في بناء منظومة أكثر وضوحًا وعدالة: إتاحة فرص حقيقية لاختبارات أداء عادلة، وتوسيع دائرة الترشيحات، واعتماد معايير تقييم تستند إلى الكفاءة الفنية لا إلى القرب من دوائر النفوذ.

في النهاية، تبقى صرخة محمد أمين — سواء اتفقنا معها كليًا أو جزئيًا — دعوة لإعادة النظر في ميزان الاختيار داخل الدراما المصرية. فالفن لا يزدهر إلا حين تكون الموهبة هي الأساس، وحين يشعر كل مجتهد أن طريقه إلى الضوء يمر عبر الجهد والاستحقاق، لا عبر العلاقات والوساطات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى