الحرب الإيرانية الإسرائيلية خلال ايام؟ قراءة في دوافع التصعيد

بقلم صموئيل العشاي:
بينما تتصدر عناوين الأخبار أحاديث التهدئة، وتتردد أنباء عن قنوات اتصال غير مباشرة قد تجمع دوائر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع القيادة الإيرانية، تبدو الصورة على الأرض أكثر تعقيدًا. فالتاريخ السياسي يُعلّمنا أن الخطاب العلني لا يعكس دائمًا حقيقة الحسابات العميقة، وأن لحظات الاضطراب الداخلي كثيرًا ما تسبق تحولات خارجية كبرى.
السؤال المطروح اليوم ليس: هل هناك رغبة في السلام؟ بل: هل تسمح الظروف الداخلية للأطراف المؤثرة بالذهاب إليه؟
أولًا: ضغط الداخل في واشنطن
يواجه ترامب مناخًا سياسيًا مشحونًا واستقطابًا حادًا، في ظل جدل متجدد حول ملفات حساسة، من بينها القضية المرتبطة بـ جيفري إبستين، التي لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العام. وفي السياسة الأمريكية، كثيرًا ما تُستخدم ملفات الأمن القومي كأداة لإعادة صياغة النقاش الداخلي وتحويل بوصلة الاهتمام الشعبي من الأزمات السياسية إلى التحديات الخارجية.
لا يعني ذلك بالضرورة قرارًا بالحرب، لكنه يفتح الباب أمام تصعيد محسوب يُعيد ترتيب الأولويات ويمنح مساحة مناورة أوسع.
ثانيًا: حسابات نتنياهو المعقدة
في إسرائيل، يقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام سلسلة من قضايا الفساد المعروفة بالملفات 1000 و2000 و4000، وهي قضايا ما تزال قيد النظر أمام القضاء وتشكل ضغطًا سياسيًا مستمرًا. وفي التجربة الإسرائيلية، يتقدم ملف الأمن القومي دائمًا على ما عداه، ويملك قدرة استثنائية على توحيد الداخل وتهميش الخلافات.
التصعيد مع إيران — ولو ضمن حدود مدروسة — قد يُعيد إنتاج مشهد “القيادة في زمن الخطر”، وهو مشهد يغيّر قواعد اللعبة السياسية داخليًا.
ثالثًا: طهران بين العقوبات والغضب الشعبي
أما في إيران، فيواجه المرشد الأعلى علي خامنئي ضغوطًا اقتصادية متفاقمة وغضبًا شعبيًا متصاعدًا نتيجة تدهور مستوى المعيشة واستمرار العقوبات. وفي مثل هذه البيئات، يتحول الصراع الخارجي إلى أداة تعبئة داخلية، ويُعاد تعريف الأولويات الوطنية تحت شعار “الدفاع عن السيادة”.
العدو الخارجي، في هذه اللحظات، يصبح عنصر تماسك أكثر منه مجرد خصم.
تلاقي المصالح في لحظة توتر
ما يجعل المشهد أكثر حساسية هو تزامن هذه الضغوط لدى الأطراف الثلاثة. فحين تتقاطع الأزمات الداخلية مع خطاب تصعيدي متبادل، يصبح احتمال المواجهة — حتى وإن كانت محدودة — أكثر واقعية.
غير أن السيناريو الأقرب، إن وقع التصعيد، قد لا يكون حربًا شاملة طويلة الأمد، بل مواجهة قصيرة ومكثفة، تُدار بعناية لتجنّب الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع. مواجهة يخرج بعدها كل طرف معلنًا تحقيق أهدافه، بينما تكون الحقيقة مزيجًا من خسائر محسوبة ومكاسب دعائية.
لا غالب… ولا مغلوب
المنطقة اليوم تقف على حافة دقيقة. خطاب التهدئة حاضر، لكن دوافع التصعيد كامنة. وبين الرغبة في تثبيت السلطة، وتخفيف الضغط الداخلي، واستعادة زمام المبادرة، تتشكل معادلة معقدة قد تدفع الجميع إلى اختبار حدود القوة دون تجاوزها.
فإذا اندلعت مواجهة، فقد تكون أقرب إلى “حرب بلا منتصر” — صراع قصير الأمد، عالِ الضجيج، محدود النتائج. وفي النهاية، يبقى الثابت الوحيد أن أي شرارة في هذا التوقيت لن تكون مجرد حدث عابر، بل محطة فاصلة في إعادة تشكيل توازنات المنطقة.