قضية فرد الأمن… بين توظيف اليسار والإخوان وحديث الثلاثة ملايين

في أصل الواقعة، نحن أمام اعتداء واضح لا يحتمل التأويل: فرد أمن تعرّض للعنف، وهو سلوك مرفوض أخلاقيًا وقانونيًا، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف. فدولة القانون لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات، بل بقاعدة راسخة: من أخطأ يُحاسَب، ومن اعتدى يتحمّل مسؤوليته كاملة. هذه حقيقة أولى لا خلاف عليها.
غير أن ما أعقب الحادثة كشف عن طبيعة المناخ العام الذي نعيشه؛ إذ تحولت واقعة جنائية محددة إلى ساحة صراع أيديولوجي مفتوح، وتسابقت أطراف عدة إلى توظيفها بما يخدم سردياتها المسبقة ومصالحها السياسية.
اليسار وإعادة إنتاج خطاب الصراع الطبقي
بعض الأصوات المحسوبة على اليسار لم تنتظر نتائج التحقيقات، بل سارعت إلى إدراج الحادثة في إطار “الصراع الطبقي”. فجأة، صُوّرت الواقعة بوصفها نموذجًا نمطيًا لمواجهة بين “رأسمالي متغطرس” و”عامل مسحوق من الطبقة الكادحة”. استُدعيت القوالب الجاهزة والمصطلحات الكبرى، وأُلبست القضية ثوبًا أيديولوجيًا كثيفًا، حتى بدا المشهد أقرب إلى بيان سياسي منه إلى واقعة تخضع لتحقيق قانوني.
هذا التبسيط المخلّ لا يخدم الحقيقة؛ فالعدالة لا تُبنى على الانتماءات الاقتصادية، بل على الوقائع والأدلة. وتحويل أي خلاف فردي إلى معركة طبقية شاملة يُغفل التعقيدات الواقعية، ويحوّل أشخاصًا حقيقيين إلى رموز في معركة فكرية لا علاقة لها بتفاصيل القضية ولا بملابساتها الدقيقة.
الإخوان ومحاولة إضفاء البُعد الديني
في المقابل، سلكت منصات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين مسارًا أكثر خطورة عبر محاولة إضفاء بُعد ديني على الحادث. رُوّجت روايات تزعم أن العامل كان يقرأ القرآن لحظة الاعتداء، ثم جرى التركيز المتعمد على ديانة رجل الأعمال، بل وادّعت بعض المنصات أنه مسيحي، وهي معلومة تبيّن عدم صحتها، في محاولة واضحة لإثارة المشاعر وشحن المجال العام.
وزاد الأمر تعقيدًا خروج محامي المتهم للحديث عن صيام موكله في رمضان، في سياق بدا وكأنه محاولة لاستمالة تيارات بعينها أو تحييدها. غير أن إدخال عنصر الهوية الدينية في نزاع جنائي لا يبدل من جوهر الواقعة شيئًا؛ فالاعتداء يُدان لذاته، لا لهوية أطرافه.
إقحام البعد العقائدي في قضايا جنائية وصفة جاهزة لإثارة الاستقطاب، وهو مسار لا يخدم العدالة ولا الاستقرار المجتمعي، بل يفتح الباب أمام انقسامات لا ضرورة لها.
طلب “رد الاعتبار” وحدود التسوية
وفي خضم هذا التوظيف السياسي والإعلامي، طُرح ما نُقل عن مطالبة بمبلغ ثلاثة ملايين جنيه مقابل التنازل، تحت عنوان “رد الاعتبار”. وإن صحّت هذه الرواية، فهي بدورها تثير تساؤلات حول انتقال القضية من مسارها القضائي الطبيعي إلى مساحة تفاوض وضغط.
الحقوق لا تُقاس بالأرقام المتداولة في وسائل الإعلام، ولا ينبغي أن تتحول إلى مزايدات علنية. إذا كان هناك ضرر، فالقضاء كفيل بتقديره وفقًا للقانون. أما تضخيم الأرقام وإعادة تداولها خارج الإطار القضائي، فيدفع بالقضية إلى مسارات جانبية لا تخدم أحدًا.
تبقى القاعدة بسيطة وواضحة: الاعتداء مرفوض، والمسؤولية شخصية، والقضاء وحده صاحب الكلمة الفصل. أما تحويل القضايا الجنائية إلى منصات لتصفية حسابات أيديولوجية – دينية كانت أم طبقية أم مادية – فهو انحراف عن جوهر العدالة.
وطن يحتاج إلى التماسك وسيادة القانون، أولى به أن يُحصّن قضاياه من الاتجار السياسي، وأن يترك الكلمة الأخيرة للمؤسسات المختصة، لا للضجيج ولا للشعارات.