هل يطمح الحرس الثوري في الإطاحة بالمرشد الأعلى ليحافظ على كرسي السلطة في إيران؟

في الفترة الأخيرة، ومع تصاعد الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية على الجمهورية الإسلامية في إيران، يتردد سؤال حارق على ألسنة المراقبين: هل تحول المرشد الأعلى علي خامنئي إلى عبء ثقيل على كاهل نظام الملالي نفسه؟ وهل يُمكن أن يُقدم الحرس الثوري الإسلامي – هذا الجهاز العسكري-الاقتصادي الضخم – على خطوة جريئة للتخلص منه، حفاظاً على مصالحه وسلطته الفعلية؟

الإجابة ليست سهلة، لكن المنطق السياسي يقول إن الصراعات الداخلية في أنظمة كهذه غالباً ما تتفاقم عندما يصبح الرمز الأعلى عائقاً أمام استمرار النظام. دعونا نستعرض الأمر بموضوعية.

نظام الولاية الفقيه.. والحرس الذي أصبح “الدولة داخل الدولة”

منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، أسس الإمام الخميني نظام الولاية الفقيه، الذي يمنح المرشد سلطات مطلقة تفوق الرئيس والبرلمان والقضاء. بعد وفاته عام 1989، جاء خامنئي ليحكم بقبضة حديدية لأكثر من ثلاثة عقود ونصف. لكن الواقع تغير: تحول الحرس الثوري من مجرد حارس للثورة إلى إمبراطورية اقتصادية وعسكرية هائلة، تسيطر على نسبة كبيرة من الاقتصاد الإيراني، من النفط والغاز إلى الاتصالات والمشاريع الإنشائية، مروراً بشركات وهمية ومؤسسات عملاقة.

الحرس لم يعد مجرد ذراع عسكري، بل أصبح “الدولة الفعلية” في كثير من الملفات. ومع ذلك، يظل مرتبطاً رسمياً بالمرشد كقائد أعلى للقوات المسلحة. السؤال: ماذا لو أصبح هذا الارتباط عبئاً؟

هل يُعد خامنئي “عبئاً” على النظام الآن؟

نعم، وبقوة. بعد عقود من الحكم، أدت سياسات خامنئي – التركيز على البرنامج النووي، دعم “محور المقاومة” في المنطقة، والمواجهة المباشرة مع الغرب – إلى عقوبات دولية خانقة. الريال الإيراني انهار، التضخم تجاوز حدود الخيال، والشعب يعاني من نقص في الكهرباء والمياه والسلع الأساسية. الاحتجاجات الشعبية المتكررة، خاصة في السنوات الأخيرة، كشفت عن رفض واسع لـ”حكم الملالي”، وأسفرت عن آلاف القتلى والمعتقلين.

خامنئي، في الثمانينيات من عمره، يُمثل اليوم رمزاً للفشل الاقتصادي والإيديولوجي. رجال الدين الذين لا يفقهون كثيراً في أمور الدنيا والعلم والإدارة الحديثة، أهدروا موارد بلد غني مثل إيران في مغامرات إقليمية، فتحولت إلى دولة معزولة ومنهكة. حتى داخل أروقة النظام، بدأت أصوات تتساءل: هل يمكن الاستمرار بهذا الشكل؟

تجربة حكم رجال الدين: إنهاك الشعب الإيراني

منذ 46 عاماً، يعيش الإيرانيون تحت سيطرة طبقة رجال دين يدّعون تمثيل “الإسلام الحقيقي”، لكنهم تحوّلوا إلى أداة قمع وفساد. الاقتصاد دُمر بسبب الفساد والعقوبات، ملايين تحت خط الفقر، الزراعة والصناعة تآكلت، والشباب يهاجرون بحثاً عن حياة أفضل. القمع الاجتماعي والسياسي مستمر: وهناك حالات إعدام بالجملة، فضلا عن  قيود على الحريات، وفرض قيم دينية بالقوة.

الشعب الإيراني منهك نفسياً واقتصادياً. الاحتجاجات الأخيرة لم تعد مجرد مطالب اقتصادية، بل تحولت إلى رفض جذري لـ”نظام الملالي” برمته. حتى بعض الملالي أنفسهم يغادرون الصفوف بسبب الفقر والإحباط.

هل يُخطط الحرس للإطاحة بخامنئي؟

لا توجد أدلة مباشرة على مخطط حالي للإطاحة، فخامنئي لا يزال يمنح الحرس صلاحيات واسعة، ويعتمد عليه في قمع الاحتجاجات والحفاظ على الاستقرار.

لكن المنطق يقول: إذا توفي المرشد أو أصبح عاجزاً تماماً، فإن الحرس – بقوته الاقتصادية والعسكرية – هو الأقدر على ملء الفراغ. ربما يتحول النظام إلى حكم عسكري مباشر، أو يُعاد ترتيب الأوراق لصالح قيادات الحرس، مع الحفاظ على بعض الواجهة الدينية.

في النهاية، تجربة حكم الملالي أثبتت فشلها الذريع. سيطرة رجال دين غير مؤهلين لإدارة الدولة الحديثة أدت إلى إنهاك الشعب الإيراني، وجعلت النظام عرضة لانهيار داخلي. سواء تخلص الحرس من المرشد أم لا، فإن التغيير – بصورة أو بأخرى – بات أمراً حتمياً.

والسؤال الكبير: هل يأتي التغيير من الداخل، أم يفرضه الشعب المنهك؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى