مسلسل “صحاب الأرض”: بين المعالجة الدرامية وواقع الدماء على الحدود

عند متابعة مسلسل “صحاب الأرض” للمخرج بيتر ميمي، نجد أنفسنا أمام تساؤل جوهري يتجاوز حدود العمل الفني: هل نجحت الدراما في تقديم رؤية متوازنة لقضية بهذا التعقيد، أم أنها انحازت لسردية أحادية غيبت أبعاداً مصيرية؟
اختزال الصراع وغياب التوازن
يُحسب لبيتر ميمي في أعماله السابقة تصديه لخطاب التطرف، إلا أن “صحاب الأرض” بدا، في نظر الكثيرين، وكأنه يفتقر إلى التوازن المطلوب. فبدلاً من تقديم قراءة نقدية شاملة، غلب على العمل التركيز على زاوية محددة، متجاهلاً السياقات السياسية والإنسانية المتشابكة.
كان من الأولى بالعمل الدرامي أن يغوص في أعماق الانقسام الفلسطيني وتداعياته، ويوضح التباينات الداخلية في غزة، بدلاً من الاكتفاء بإبراز بعدٍ واحد قد يُفهم منه تلميع قوى لها سجل شائك. فالقضية الفلسطينية ليست ثنائية بسيطة، بل هي شبكة معقدة من التاريخ والأمن والإنسان، وأي اختزال لها يعد تقصيراً في حق الوعي الجمعي.
فاتورة الدم: حقائق لا تقبل التأويل
لا يمكن فصل أي طرح فني يتناول الحدود المصرية عن واقع التحديات الأمنية التي عاشتها المنطقة. فبينما تحاول الدراما أحياناً تبسيط المشهد، تتحدث الأرقام بصرامة عن ثمن باهظ دفعته الدولة المصرية لحماية أمنها القومي، منذ عام 2011م، تحولت الحدود مع القطاع إلى ساحة حرب ضد مخططات التهجير والإرهاب.

قدمت مصر في هذه المواجهات 3287 شهيداً من أبطال الجيش والشرطة. وبلغ عدد المصابين من المقاتلين المصريين 12280 مصاباً.

هذه الأرقام (التي تقترب من 16 ألف بطل بين شهيد وجريح) تعكس حقيقة الصراع مع قوى دموية استهدفت السيادة المصرية، وهو ما يجعل المسؤولية مضاعفة على الفن في ضرورة الدقة، حتى لا يتحول إلى منصة تعيد إنتاج خطاب سياسي يتناقض مع تضحيات الأرض.

إن النقد الموجه لمنهج المعالجة في المسلسل ينبع من الخوف على الوعي؛ فالمخططات التي استهدفت سيناء تحت مسمى “التهجير” —سواء في نسختها الأولى أو ما تلا أحداث السابع من أكتوبر— كانت دائماً تصطدم بصخرة الجيش المصري.

لذا، فإن أي عمل فني يغفل عن إظهار حقيقة الأطراف التي حاربت الدولة المصرية “بخسة” عبر سنوات، يقع في فخ تزييف الوعي.

يبقى الفن مساحة للاختلاف لا للتخوين، لكن القيمة الحقيقية لأي عمل “سياسي الطابع” تكمن في إنصافه للتاريخ. مصر دفعت ضريبة غالية من الدم والروح، ومن حق تلك الدماء أن تُحترم في الرواية الدرامية، بعيداً عن “البصيرة التالفة” التي تختزل الصراع أو تلمع الوجوه القبيحة للتآمر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى