قضاة الإسلام: أبو الوليد الباجي أحد أئمة المالكية في الأندلس

يبرز تاريخ قضاة الإسلام كنماذج للعدل والزهد والنزاهة في السلوك القضائي. كانوا يحرسون قواعد العدالة الاجتماعية وفق أحكام الشريعة، ويفصلون بين القضاء والسلطة التنفيذية، ومع اتساع الدولة صار لكل مذهب من المذاهب الأربعة قاضٍ يعزز مرجعيته الشرعية. عُرفوا باستقلاليتهم عن السلطة التنفيذية، وتولّوا وظائف مثل إمارة الحج والخطابة والتدريس، وهو ما يعكس مكانتهم الدينية والدنيوية العالية. من بينهم القاضي الجليل والإمام أبو الوليد الباجي.
أبو الوليد الباجي: النسب والبدايات
وُلد أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي الأندلسي القرطبي الباجي المالكي في عام 403 هـ بمدينة بطليوس جنوب غرب الأندلس. ينتمي إلى أسرة عربية تشتهر بالورع والتدين، وتُنسب إلى قبيلة نجيب التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقر أفراد الأسرة في مدينة باجة بجنوب البرتغال قبل أن تستقر في قرطبة. كان والدُه تاجراً في قيروان باجة، وهو ما وفر له خلفية اقتصادية تسمح له بالتركيز على طلب العلم. ورع الأسرة وتدينها أثرا في تكوينه، فبدأ طلب العلم عند أساتذة من الأندلس ثم واصل تعلمه لدى علماء من الحجاز والعراق، فجمع علوم متنوعة وهو في شبابه المبكر.
تعمّق في طلب العلم حتى ظهر في سن الثالثة والعشرين كقِبلة للفقه والأصول، مع الازدهار العلمي في الأندلس آنذاك. رغم الفوضى السياسية التي سادت ممالك الطوائف، قرر الرحلة إلى المشرق الإسلامي سنة 426 هـ ليواصل تحصيله العلمي ويتفاعل مع مدارس العلم هناك. وخلال رحلاته تعرّف على مناهج الأدب والعلوم في الأقطار المختلفة، فبرزت له مناظراته العلمية ومؤلفاته الأصولية والفقهية التي عمّ صيتها. وتولى عمر بن محمد المتوكل بالله بن الأفطس مناصب القضاء في مدن عدة مثل أريولة، حيث جرى نظر الشكاوى والفض المنازعات ونصرة المظلومين بناءً على حكمه الشرعي.
كان القاضي الباجي يحظى باستقلالية فعلية عن السلطة التنفيذية في المناصب التي تولاها، وهو ما يعكس مكانته في المجتمع. توفي في رجب من عام 474 هـ بعد أن قضى حياته في طلب العلم والفقه، ودعا حكام الأندلس إلى التكاتف مع المرابطين ونصرة الدين، ونبذ الخلافات وتوحيد الجبهة أمام التحديات. كما حث على وضع مصلحة الإسلام فوق الخلافات السياسية والأشخاص، وفق رؤية رصينة تجمع بين الورع والعدل والمسؤولية الاجتماعية. يظل اسمه مثالاً للقضاة الذين جمعوا العلم والإنصاف والالتزام الديني في تاريخ الأندلس.