قضاة الإسلام.. قاضي قضاة الديار المصرية ابن عين الدولة متحدى السلاطين

تشكل قضاة الإسلام نماذج تاريخية مشهودة بالعدل والزهد والنزاهة، وقد أسهموا في ترسيخ قواعد العدالة الاجتماعية وفق أحكام الشرع. مع اتساع الدولة صار لكل مذهب من المذاهب الأربعة قاضٍ له، وكان في الأندلس يُعرف بقاضي الجماعة. كان هؤلاء القضاة مستقلين عن السلطة التنفيذية، وتولوا وظائف دينية ودنيوية مثل إمارة الحج والخطابة والتدريس. وتؤكد مكانتهم العليا في الدين والدنيا على التزامهم بالحق والعدل.

أبن عين الدولة ومكانته

وُلد شرف الدين أبو المكارم محمد بن الرشيد عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي القاسم بن صدقة ابن الصفراوي المصري الشافعي في الإسكندرية، حيث بدأ طلب العلم وتلاوة القرآن. تميز بالتقوى والزهد والتبحر في الفقه، فصار من أبرز قضاة زمانه ونزيهًا في تطبيق الشرع. اشتهر بنزاهته في الالتزام بالقضاء وبالإخلاص للعدل.

تولى القضاء في عهد الملك الكامل الأيوبي، فخلف ابن درباس في مدينة الإسكندرية ثم صار قاضيًا للقاهرة، ليشغل بعد ذلك قضاء الإقليم المصري في عام 617 هجرية. كان له حضور قوي في الجهاز القضائي، وربطت سمعته بنزاهة وحرصه على الإنصاف في تطبيق الشريعة، مع ارتباطه بمذهب الإمام الشافعي. ظل اسمه مرتبطاً بالاستقلالية عن السلطة التنفيذية وبالصلاح في أقواله وأفعاله القضائية.

مواجهة السلطان الكامل

ومن أبرز مواقفه أنه رفض قبول شهادة الملك الكامل في إحدى القضايا علناً، فبين للجمهور أن شهادته لا تصح. قال في المجلس: “السلطان يأمر لا يشهد”، فكان هذا تصريحاً صريحاً إلى جانب الحق. لم يتلقَ الرد من السلطان بسهولة في البداية، فواجهه نقاش حاد وتعرّض لتهديداتٍ فُسّرت كإهانة من جانب الحاكم. انتهت الواقعة باعتذار السلطان وعودته إلى منصبه، مع استمرار ابن عين الدولة في أداء القضاء بنزاهة وبلاغة.

وفاته وتاريخه

توفي بعد مرض شديد أصابه في القدم، فترك خلفه نموذجاً في الاستقلال والعدالة. خلفه في سير القضاء من يحافظ على نهجه في تطبيق الشريعة ورعاية المساكين والفقراء. ظل ذكره رمزاً للشجاعة القضائية التي لم تخضع للضغوط السلطانية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى