قمة جدة التاريخية… مصر والسعودية ترسمان ملامح الاستقرار في زمن العواصف

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مدينة جدة ولقاؤه بالأمير محمد بن سلمان لتؤكد أن هناك دولًا لا تتحرك برد الفعل، بل تصنع الفعل ذاته. لم تكن القمة لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل بدت وكأنها لحظة تاريخية مكتملة المعنى، انعقدت بينما المنطقة تموج بتوترات مفتوحة وأسئلة كبرى حول مستقبلها.
منذ اللحظة الأولى، حملت الزيارة رمزية واضحة: علاقة تتجاوز المجاملات إلى شراكة مصير. فمصر والسعودية ليستا مجرد دولتين عربيتين كبيرتين، بل هما ركيزتا التوازن في الإقليم. حين تتوافق رؤاهما، تهدأ العواصف، وحين يتشاور قائدهما، يتشكل مسار أكثر اتزانًا للأحداث. اللقاء عكس ثقة متبادلة وإدراكًا عميقًا بأن مسؤولية الاستقرار العربي لا تحتمل التردد أو الحسابات الضيقة.
القمة جاءت في توقيت بالغ الحساسية. حرب مستمرة في قطاع غزة، توترات في البحر الأحمر، تدخلات إقليمية معقدة، وتحولات في السياسة الدولية مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وسط هذا المشهد، بدا واضحًا أن القاهرة والرياض تتحركان برؤية استراتيجية لا تنظر إلى يومٍ واحد، بل إلى مستقبل منطقة بأكملها.
القضية الفلسطينية كانت في القلب من المباحثات، باعتبارها البوصلة التي لا يجوز أن تنحرف. التأكيد على تثبيت وقف الحرب، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، جاء مقرونًا بموقف حاسم: لا لتهجير الفلسطينيين، ولا لتصفية القضية تحت أي عنوان. هذا الموقف ليس تعبيرًا عاطفيًا، بل قراءة واعية بأن أي عبث بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يعني فتح أبواب صراعات لا تنتهي. ومن هنا، فإن التمسك بحل الدولتين يبقى الخيار السياسي الواقعي الوحيد القادر على حماية الاستقرار.
وفي السياق ذاته، جاءت الرسائل واضحة إزاء التصريحات المنسوبة إلى السفير الأمريكي مايك هاكابي حول مزاعم “أرض من النيل إلى الفرات”. مثل هذه الطروحات، مهما كان سياقها، تمس الأمن القومي العربي مباشرة. والقمة عكست يقظة سياسية هادئة لكنها حاسمة، تؤكد أن خرائط المنطقة ليست ساحة لأحلام أيديولوجية أو اجتهادات دينية، بل تخضع لثوابت القانون الدولي وحق الشعوب في السيادة.
لكن قمة جدة لم تتوقف عند حدود السياسة الساخنة. فهي أيضًا رسالة بناء وتنمية. العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشهد توسعًا متسارعًا، من الاستثمارات الكبرى إلى مشروعات الطاقة والربط الكهربائي وتطوير البحر الأحمر. في عالم يواجه أزمات اقتصادية متلاحقة، يصبح هذا التكامل عنصر قوة إضافي، يعزز قدرة البلدين على الصمود وتحقيق النمو.
أمنيًا، يمثل التنسيق المصري السعودي صمام أمان للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ودعامة أساسية لاستقرار دول الجوار، وخط دفاع متقدم في مواجهة الإرهاب والتطرف. إنه تعاون لا يُبنى على الشعارات، بل على إدراك واقعي بأن الأمن شبكة مترابطة، وأن أي خلل في طرفها قد يمتد أثره إلى الجميع.
لهذا يمكن القول إن قمة جدة كانت أكثر من لقاء سياسي؛ كانت إعلانًا واضحًا بأن محور الاعتدال العربي حاضر بقوة، وأن القرار العربي يُصاغ بإرادة مستقلة، بعيدًا عن الضغوط أو الإملاءات. في زمن تتسارع فيه التحولات، تبقى مصر والسعودية معًا عنوانًا للثبات. وحين يجلس السيسي ومحمد بن سلمان إلى طاولة واحدة في لحظة اختبار، فإن الرسالة تصل إلى الجميع: الاستقرار خيار واعٍ، والحكمة ما زالت قادرة على أن تقود المنطقة وسط العواصف.