قضية الشابو… المستشار بولس فهمي يعيد الانضباط ويرسخ سيادة الدستور

في سبتمبر 2023، ألقت قوات الأمن في محافظة سوهاج القبض على أحد المتهمين وبحوزته كمية من مخدر الميثامفيتامين، المعروف إعلاميًا بـ“الشابو” و“الآيس”، بقصد الاتجار. أُحيل المتهم إلى محكمة الجنايات، التي قضت بمعاقبته بالسجن المشدد ثلاث سنوات وتغريمه خمسين ألف جنيه.
بدا الحكم في ظاهره فصلًا عاديًا في واحدة من قضايا الاتجار بالمخدرات، لكنه في جوهره كان بداية مسار قانوني ودستوري عميق، تجاوز حدود الواقعة الجنائية ذاتها، ليمس صميم مبدأ الشرعية الجنائية في مصر.
لم يرتضِ المتهم بالحكم فطعن عليه أمام محكمة النقض طلبًا للبراءة. وفي المقابل، طعنت النيابة العامة هي الأخرى، ولكن في الاتجاه المعاكس، مطالبةً بتشديد العقوبة استنادًا إلى قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، الذي نقل مادة الميثامفيتامين من الجدول الثاني إلى الجدول الأول (ب)، وهو ما يترتب عليه تغليظ العقوبة لتصل إلى السجن المؤبد.
وهنا بدأت القضية تأخذ منحى مختلفًا.
محكمة النقض… حين يُطرح السؤال الأكبر
عندما نظرت محكمة النقض الطعنين، لم تكتفِ ببحث أركان الجريمة أو تقدير العقوبة، بل طرحت سؤالًا أعمق:
هل القرار الذي استندت إليه النيابة في طلب التشديد صدر من الجهة المختصة قانونًا؟ وهل يتوافق مع أحكام الدستور؟
فالقاضي الجنائي، وفقًا لمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، لا يطبق نصًا إلا بعد الاطمئنان إلى سلامته ومشروعيته. ومن ثمّ، اتجهت المحكمة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لاختصاصات هيئة الدواء.
راجعت المحكمة قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية رقم 151 لسنة 2019، فتبين لها أنه منح الهيئة ورئيسها اختصاصات كانت مقررة لوزارة الصحة في نطاق قانون الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، لكنه لم يمنح رئيس الهيئة نصًا صريحًا يُخوّله تعديل جداول قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960.
بل إن المادة (32) من قانون المخدرات ما زالت تنص صراحة على أن وزير الصحة هو المختص بإصدار قرارات تعديل الجداول.
وهنا لم يعد الأمر مجرد مسألة توقيع إداري أو إجراء تنظيمي، بل أصبح مسألة اختصاص تشريعي يمس جوهر العقوبة وحدودها. لذلك قررت محكمة النقض وقف نظر الدعوى، وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية القرار.
المحكمة الدستورية العليا… الكلمة التي ترسم الحدود
جاء حكم المحكمة الدستورية العليا ليؤكد قاعدة دستورية راسخة:
التفويض في المجال الجنائي لا يُفترض، ولا يُستنتج، ولا يُقاس عليه، بل يجب أن يكون صريحًا ومحددًا لا لبس فيه.
المحكمة أوضحت أن نقل مادة مخدرة من جدول يقرر عقوبة ثلاث سنوات إلى جدول يجيز المؤبد أو الإعدام، لا يُعد مجرد تعديل إداري، بل هو في حقيقته تشديد للعقوبة، أي إنشاء لمركز قانوني أشد وطأة على المتهمين، وهو ما يدخل في صميم الاختصاص التشريعي.
وأكدت أن قانون هيئة الدواء لم يمنح رئيسها صراحة سلطة تعديل جداول المخدرات، ومن ثم فإن القرار الصادر في هذا الشأن يكون قد تجاوز حدود التفويض، وافتقد سنده الدستوري.
وبناءً عليه، قضت المحكمة بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء فيما تضمنه من تعديل جداول المخدرات، مع العودة إلى القرارات الصادرة من وزير الصحة بوصفه الجهة المختصة قانونًا.
إشادة بدور المحكمة ورئيسها
هذا الحكم لم يكن مجرد إلغاء لقرار إداري، بل كان إعادة رسم دقيقة للحدود الفاصلة بين السلطة التنفيذية والاختصاص التشريعي، وتجسيدًا حيًا لدور المحكمة الدستورية العليا كحارس أمين على الدستور.
وفي ظل رئاسة المستشار بولس فهمي، واصلت المحكمة أداء دورها التاريخي في ترسيخ دولة القانون وتعزيز اليقين التشريعي. فقد أكدت المحكمة في عهده أن مواجهة الجرائم الخطيرة – مهما بلغت جسامتها – لا تكون بتجاوز النصوص، بل باحترامها وتطبيقها من خلال القنوات الدستورية الصحيحة.
إن ما رسخته المحكمة في هذا الحكم هو أن هيبة الدولة لا تتحقق بتغليظ العقوبات خارج الإطار الدستوري، وإنما بصيانة مبدأ الشرعية، الذي يُعد صمام الأمان للعدالة الجنائية.
ماذا عن المتهمين؟
الحكم لا يعني إفلات أي متهم من العقاب، بل يعني فقط تطبيق النص القانوني الصحيح.
فالقضايا التي استندت إلى القرار المقضي بعدم دستوريته سيتم تعديل القيد والوصف فيها لتتوافق مع الجداول الصادرة من وزير الصحة.
وبالتالي، سيُحاكم المتهمون وفق الجداول السارية قانونًا وقت ارتكاب الجريمة، تطبيقًا لمبدأ عدم رجعية النصوص الأشد، وهو أحد أهم ضمانات العدالة الجنائية.
تحرك تشريعي سريع لسد الفراغ
تنفيذًا لحكم المحكمة الدستورية وسدًا للثغرة القانونية، أصدر وزير الصحة والسكان القرار الوزاري رقم (44) لسنة 2026 بشكل عاجل، متضمنًا استبدال الجداول الملحقة بقانون المخدرات رقم 182 لسنة 1960، بحيث يصدر التعديل من الجهة المختصة قانونًا.
وبهذا الإجراء، أُعيد إدراج مواد الشابو والآيس والمخدرات المخلقة ضمن الجداول المشددة (الجدول الأول)، بما يتيح توقيع العقوبات الرادعة التي قد تصل إلى المؤبد أو الإعدام على المتاجرين بها، ولكن هذه المرة عبر مسار دستوري سليم لا يشوبه عوار.
الخلاصة
قضية “الشابو والآيس في سوهاج” لم تكن مجرد واقعة جنائية، بل تحولت إلى محطة دستورية مفصلية أعادت ضبط العلاقة بين النص والعقوبة، وبين التفويض والاختصاص.
لقد أكدت المحكمة الدستورية العليا، برئاسة المستشار بولس فهمي، أن دولة القانون لا تحارب الجريمة إلا بأدوات القانون ذاته، وأن الشرعية الجنائية ليست عائقًا أمام الردع، بل هي الأساس الذي يمنحه المشروعية والاستقرار.
وهكذا، خرجت القضية من إطارها المحلي الضيق، لتصبح علامة فارقة في مسيرة ترسيخ سيادة الدستور في مصر.