من النيل إلى الفرات… ارض يملكها ابناء ابراهيم جميعا

بقلم – صموئيل العشاي:
حين يُذكر وعد الله لإبراهيم بالأرض، يتسارع الجدل، ويعلو الصوت، ويُختزل الحديث أحيانًا في اتجاهٍ واحد، وكأن إبراهيم كان أبًا حصريًا لشعبٍ دون سواه.
لكن قراءة النصوص كاملة، بهدوء وتجرد، تكشف حقيقة أعمق وأوسع:
إبراهيم لم يكن أبًا لفرعٍ واحد… بل لأمم.
الوعد الإلهي جاء واضحًا في الكتاب المقدس، بلا مواربة ولا غموض:
“في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقًا قائلاً: لنسلك أُعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.”
— سفر التكوين 15:18
النص يتحدث عن “نسلك”.
لم يقيّد، لم يحصر، لم يقل لنسلٍ دون آخر. بل جاء التعبير عامًا، ممتدًا، مرتبطًا بإبراهيم ذاته.
وفي موضع آخر يتكرر التأكيد:
“وأُقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا… وأُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، مُلكًا أبديًا.”
— سفر التكوين 17:7-8
العهد أبدي. والنسل ممتد في الأجيال.
والأرض مذكورة بحدود واضحة. لكن السؤال الأهم الذي يتجاهله البعض:
من هو نسل إبراهيم؟
إبراهيم… أبو أكثر من خطٍّ نسبي
إبراهيم رُزق بإسحاق وإسماعيل.
كلاهما ابناه. كلاهما خرج من صلبه.
وكلاهما باركه الله.
اليهود ينتسبون إلى إسحاق، ثم يعقوب الذي سُمّي إسرائيل. وهذا مسار معروف في التقليد التوراتي. لكن إسماعيل أيضًا ابن إبراهيم، والكتاب نفسه يذكر أن الله باركه وجعله أمة عظيمة (تكوين 17:20).
ومن نسل إسماعيل جاء العرب، ومنهم المسلمون اليوم. فكيف يُعقل أن يكون إبراهيم أبًا لفرع، ويُسقط فرعًا آخر وهو ابنه بنص الكتاب؟
إبراهيم في أصله لم يكن رمزًا قوميًّا، بل أبًا تاريخيًا ونسبيًا لشعوب متعددة. والمنطقة التي دار حولها الوعد عاشت فيها هذه الشعوب جميعًا عبر القرون، في تداخلٍ تاريخي لا يمكن إنكاره.
الأبوة الروحية… البعد الذي يتجاوز الدم
الأمر لا يقف عند حدود النسب الجسدي فقط.
في المسيحية، يُقدَّم إبراهيم بوصفه “أب الإيمان”.
فالرسول بولس يكتب في رسالة بولس إلى أهل غلاطية 3:7: إذن اعلموا أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم.
هنا تتسع الدائرة أكثر. لم تعد البنوة مرتبطة بالدم وحده، بل بالإيمان والسير على خطى إبراهيم في الطاعة والثقة بالله.
وفي الإسلام، يُذكر إبراهيم باعتباره أبا الأنبياء، ويخاطب القرآن المؤمنين بقوله:
“مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ” (سورة الحج: 78).
الإسلام لا ينفي أبوة إبراهيم، بل يؤكدها.
ويجعلها جزءًا من الهوية الدينية نفسها.
إذن نحن أمام ثلاث دوائر تلتقي في نقطة واحدة:
• اليهود يرونه أباهم عبر إسحاق.
• المسلمون ينتسبون إليه عبر إسماعيل.
• المسيحيون يعتبرونه أباهم في الإيمان.
فكيف يتحول أبُ الجميع إلى ملكية خاصة؟
من النيل إلى الفرات… قراءة أوسع للوعد
الوعد الجغرافي من نهر مصر إلى نهر الفرات ورد نصًا، ولا يمكن إنكار وجوده في سفر التكوين.
كما أن التاريخ يذكر أن مملكة بني إسرائيل في زمن سليمان اتسعت لتشمل نطاقًا واسعًا، كما ورد في سفر الملوك الأول 4:21.
لكن حتى مع هذا الامتداد التاريخي، فإن الأرض نفسها لم تعرف وجود شعبٍ واحدٍ حصري عبر العصور، بل كانت ساحة تلاقي وتداخل بين أبناء إبراهيم أنفسهم.
فإذا كان الوعد لإبراهيم ونسله، فنسله ليسوا طرفًا واحدًا. وإذا كان العهد أبديًا، فالأبوة أبدية أيضًا.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح
إبراهيم ليس رمزًا لاحتكار. ليس رايةً تُرفع لإقصاء الآخرين. وليس اسمًا يُستخدم لإلغاء بنوة غيره.
إبراهيم أبو اليهود… نعم.
وأبو المسلمين… نعم.
وأبو المؤمنين في المسيحية… نعم.
هو أبٌ جامع، لا مُفرِّق.
أبٌ لأمم، لا لقبيلة واحدة.
أبٌ لخطوط نسب متعددة، ولإيمانٍ عبر الأجيال.
ومن يقرأ النصوص كاملة، ويفهم سياقها التاريخي والديني، يدرك أن إرث إبراهيم أكبر من أن يُختزل، وأوسع من أن يُصادَر.
من النيل إلى الفرات… قد يختلف الناس حول السياسة، وقد يتنازعون حول الجغرافيا، لكن الحقيقة الثابتة تبقى:
إبراهيم أبو الآباء… وأبٌ للجميع.