أبو بكر الأندلسي: قاضي إشبيلية أسس دولة العدل وقضى على الفساد

يُبرز هذا النص قضاة الإسلام الأندلسيين الذين اشتهروا بالعدل والزهد والنزاهة، وساهموا في إرساء قواعد العدالة الاجتماعية وفق أحكام الشريعة. كان هؤلاء القضاة مستقلين عن السلطة التنفيذية، ومع اتساع الدولة صار لكل مذهب من المذاهب الأربعة قاضٍ خاص به، فكان في الأندلس ما عُرف بقاضي الجماعة. تميزوا بأنهم تولّوا وظائف دينية ودنيوية عالية مثل إمارة الحج والخطابة والتدريس. ومن أبرز هؤلاء الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، صاحب التصانيف والتآليف.
سيرة الإمام أبو بكر بن العربي
وُلد القاضي أبو بكر في شعبان سنة 468هـ في أسرة علمية قوية، وكانت له صلات وثيقة مع المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية. وكان والده من كبار أصحاب ابن حزم الظاهري، في حين خالف الابنُ ابن حزم وهاجمه في مواضع عديدة. خرج مع والده في رحلة علمية إلى المشرق فطاف بغداد والقاهرة ودمشق وخراسان، والتقى كبار العلماء مثل الغزالي والشاش والطرطوشي والتبريزي، وحجّ إلى بيت الله الحرام وسمع من علماء الحجاز. عاد إلى الأندلس سنة 491هـ بعد وفاة والده في الطريق فدفنه في بيت المقدس ثم عاد للأندلس. وللمعارضة مع الدولة الموحدية وعقيدتها المعتزلية حمل إلى مدينة فاس للضغط عليه ونزع البيعة.
أعماله وآثاره العلمية
ولّى القضاء بإشبيلية فشدد على المفسدين والفاسقين. كانت المدينة في عهد المعتمد بن عباد تميل إلى الترف والكسل والبطالة، فواجهها بتأديبهم وتثبيت أمر الدين. عُزِل من منصبه وأقبل بعدها على نشر العلم وتدوينه حتى بلغ درجة الاجتهاد عند كثير من أهل العلم. من أشهر كتبه تفسيره أحكام القرآن، و«عارضة الأحوذي» في شرح سنن الترمذي، و«العواصم من القواصم» الذي أعاد للصحابة مكانتهم العالية. وفي مدينة فاس توفي في 6 ربيع الأول سنة 543هـ ودفن بها.