تكامل يحمي العدالة… لقاء وزير العدل ورئيس المحكمة الدستورية يؤكد قوة مؤسسات الوطنية

جاءت زيارة رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار بولس فهمي إسكندر إلى مقر وزارة العدل، لتهنئة وزير العدل المستشار محمود حلمي الشريف بمناسبة توليه مهام منصبه، في خطوة تعكس عمق التقدير المتبادل بين المؤسستين، وتؤكد ثقة القيادة السياسية في شخص الوزير الجديد وقدرته على قيادة ملف العدالة في مرحلة دقيقة تتطلب خبرة وحكمة ورؤية مؤسسية متكاملة.
الزيارة لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل حملت رسائل سياسية وقانونية بالغة الدلالة. فحين يلتقي وزير العدل برئيس أعلى جهة قضائية دستورية في البلاد، فإن الأمر يتجاوز حدود التهنئة إلى تأكيد الشراكة المؤسسية بين جناحي العدالة: الإدارة القضائية من جهة، والرقابة الدستورية من جهة أخرى. هذا اللقاء يعكس صورة دولة تعرف قيمة مؤسساتها، وتدرك أن قوة النظام القانوني لا تُقاس فقط بعدد التشريعات، بل بمدى انضباطها الدستوري واستقلال جهاتها القضائية.

المحكمة الدستورية… حارس الشرعية
تُعد المحكمة الدستورية العليا حجر الزاوية في حماية الدستور، فهي الجهة المختصة بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، وضبط التوازن بين السلطات، وصون الحقوق والحريات العامة. وأحكامها تمثل الكلمة الفصل في تفسير النصوص الدستورية، بما يضمن وحدة التطبيق واستقرار المراكز القانونية.
وقد أشاد وزير العدل بالدور الوطني الذي تضطلع به المحكمة، مؤكدًا أن وجود رقابة دستورية قوية ومستقلة هو الضمان الحقيقي لدولة القانون. فالدستور ليس نصًا جامدًا، بل وثيقة حية تتفاعل مع الواقع، والمحكمة الدستورية هي الجهة التي تمنحه فعاليته العملية وتحميه من أي انحراف تشريعي.
وزارة العدل… ركيزة تطوير المنظومة القضائية
في المقابل، تمثل وزارة العدل الذراع التنفيذية والتنظيمية للمرفق القضائي، فهي المسؤولة عن تطوير البنية التشريعية، وتحديث آليات التقاضي، ودعم المحاكم والنيابات بالبنية التكنولوجية والإدارية اللازمة. ومع تولي المستشار محمود حلمي الشريف مهام الوزارة، تتجه الأنظار إلى مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي، قوامها تحديث الإجراءات، وتيسير الوصول إلى العدالة، وتعزيز الكفاءة والشفافية.
إن تكامل الدورين—دور المحكمة في الرقابة الدستورية، ودور الوزارة في الإدارة والتطوير—يشكل معًا منظومة متماسكة تحمي الشرعية وتدعم الاستقرار. فلا تطوير تشريعي بلا انضباط دستوري، ولا رقابة دستورية فعالة دون بيئة مؤسسية داعمة تحترم استقلال القضاء وتوفر له أدوات العمل.
رسالة قوة واستقرار
يحمل اللقاء رسالة واضحة بأن مؤسسات العدالة في الدولة تعمل بتناغم كامل، دون مساس باستقلال أي منها. فالاستقلال لا يعني الانعزال، بل يعني التعاون في إطار احترام الاختصاصات. والتنسيق بين وزارة العدل والمحكمة الدستورية العليا يعزز ثقة المجتمع في أن هناك منظومة قانونية متماسكة، تحكمها قواعد واضحة، وتخضع جميعها لمرجعية الدستور.
كما يعكس اللقاء إدراكًا مشتركًا لأهمية المرحلة الراهنة، التي تتطلب تسريع وتيرة الإصلاح التشريعي، وضمان توافقه مع أحكام الدستور، ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الدولة. فالعدالة الناجزة، والتشريع المنضبط، والإدارة القضائية الحديثة، ليست مسارات متوازية، بل حلقات مترابطة في سلسلة واحدة.
دعم متبادل… ورؤية مستقبلية
في ختام اللقاء، أكد وزير العدل اعتزاز الوزارة بالتعاون البنّاء مع المحكمة الدستورية العليا، واستعدادها الدائم لتقديم كل سبل الدعم اللازمة لتعزيز دورها في صون الدستور وترسيخ الشرعية الدستورية. وهو تأكيد يعكس فهمًا عميقًا بأن قوة الدولة تبدأ من احترام دستورها، وأن حماية النصوص الدستورية مسؤولية جماعية تتكامل فيها الأدوار.
إن هذا اللقاء يمثل أكثر من مناسبة رسمية؛ إنه تجسيد حيّ لمفهوم الدولة القانونية الحديثة، حيث تتعاضد المؤسسات، ويتقدم الحوار المؤسسي، وتُصان الشرعية الدستورية باعتبارها الإطار الأعلى الذي يحتكم إليه الجميع. وفي ظل قيادة واعية، ومؤسسات راسخة، تبقى العدالة في مصر عنوانًا للاستقرار، والدستور مرجعية عليا لا تعلو عليها إرادة.