خبير اقتصادى: اختبار صعب لأسواق الطاقة والغذاء مرهون بمضيق هرمز

تؤكد هذه القراءة أن الحرب الأمريكية الإيرانية ليست مجرد حدث عسكري، بل صدمة جيوسياسية تمس قلب منظومة الطاقة والتجارة العالمية، وتنتقل آثارها بسرعة إلى أسعار السلع الأساسية والغذاء وسوق العملات، وفي مقدمتها الدولار. ولأن إيران تقع في نطاق أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، فإن أي تصعيد واسع النطاق يرفع تلقائيًا درجة المخاطر على إمدادات النفط والغاز، ويضيف ما يسمى بعلاوة الحرب إلى الأسعار قبل حدوث تعطيل فعلي. وبناء عليه، يتوقع أن تكون الطاقة من أولى القطاعات المتأثرة بالحرب وبشكل سريع. كما أن هذه التطورات تفتح باب المخاطر على سلاسل الإنتاج ونقلها في المدى القريب والمتوسط.

تأثير الطاقة وأسعارها

يرتفع سعر النفط كنتيجة مباشرة للصراع، وبالتالي تتزايد تكاليف النقل والشحن والتأمين. ويزداد أيضًا سعر الكهرباء والوقود المستخدم في الصناعة والزراعة التي تعتمد على الطاقة في تشغيل المعدات والري والنقل والتخزين. وترتبط أسعار الأسمدة غالبًا بأسعار الغاز الطبيعي، لذا فإن أي قفزة في النفط أو الغاز ستنتقل تدريجيًا إلى أسعار الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان والزيوت النباتية. ومع استمرار الحرب أو اتساعها، لا يكون الارتفاع مؤقتًا بل قد يتحول إلى موجة تضخمية مستمرة.

سلاسل الإمداد والممرات البحرية

وإذا امتد التوتر إلى مضيق هرمز أو البحر الأحمر، ستتزايد تكاليف الشحن وتلجأ الشركات إلى مسارات أطول وأكثر كلفة. هذا يعني زيادة زمن الرحلة وارتفاع أسعار التأمين البحري، ما سينعكس على أسعار السلع المستوردة في آسيا وأوروبا وأفريقيا. وستكون الدول المستوردة للغذاء هي الأكثر تأثرًا، لأن أي زيادة في تكاليف الشحن أو الطاقة تضيف عبئًا مباشرًا على فاتورة الاستيراد. وبالتالي تتزاحم الأعباء على الاقتصادات الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على واردات الغذاء والطاقة.

تأثير العملات والدولار

أما مستقبل العملات فسيكون المسار الثالث المتأثر بإطار الحرب، وبخاصة الدولار باعتباره عملة احتياطي عالمي وملاذًا في أوقات التوتر. عندما يصعد الدولار، تصبح السلع المسعّرة به أغلى بالنسبة للدول التي تشتري بعملاتها المحلية حتى وإن بقيت أسعار الحبوب بالدولار نسبيا مستقرة. وتعزز قوة العملة الأميركية الضغط على الدول الناشئة التي تقف على قمة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع القوة الشرائية. وفي المقابل قد تستفيد بعض الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار عبر زيادة إيراداتها، لكن ذلك لا يلغي أثر ارتفاع أسعار الغذاء إذا كانت مستوردة له.

سيناريوهات الحرب وتداعياتها

ويمكن تفصيل سيناريوهين رئيسيين: سيناريو معتدل يبقى فيه الصراع محدودًا جغرافيًا دون تعطيل فعلي للممرات البحرية. في هذا السيناريو ترتفع أسعار الطاقة لفترة وجيزة ثم تعود إلى مستوى أقرب للاستقرار، وتكون آثارها على الغذاء تدريجية ومحدودة. أما السيناريو الأكثر خطورة فيتعلق بتوسع المواجهة إلى تعطيل حقيقي للممرات، مثل مضيق هرمز أو تصعيد في البحر الأحمر. في هذا الاحتمال قد يشهد العالم موجة حادة في أسعار النفط وتكاليف النقل والأسمدة، وتنتقل الضغوط بسرعة إلى أسعار الحبوب والمواد الغذائية عالميًا.

خلاصة وتوقعات

تاريخيًا، ترتبط الحروب في مناطق إنتاج الطاقة بموجات تضخم عالمية بسبب كون الطاقة جزءًا من كل مراحل الإنتاج والنقل. وفي ظل ارتفاع الدولار المصاحبة لأجواء التوتر، تزداد الضغوط على الاقتصادات الناشئة وتكتسب احتمالات ارتفاع الأسعار العالمية. ورغم أن حجم الارتفاع يعتمد على مدى تأثير العمليات العسكرية على تدفق الطاقة واستقرار الملاحة، يبقى احتمال ارتفاع أسعار السلع الأساسية والغذاء قائمًا إذا طال أمد الحرب. وإذا تحولت الحرب إلى مواجهة واسعة، فقد تكون صدمة طاقة وغذاء وعملة في آن واحد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى