فوزى جندي يكتب: حين تتحول السعادة إلى سمّ

في ليلةٍ كان يفترض أن تكون مناسبة للفرح، حضرتُ حنّة أحد الأصدقاء، فوجدت مشهدًا يكشف أزمة أعمق مما نتصور. لم تعد المخدرات شيئًا يُخفى في الظل، بل أصبحت تُقدَّم على صواني الضيافة، وتُسوَّق باعتبارها عنوانًا للسعادة وشرطًا لاكتمال “المزاج”. ما كان يومًا انحرافًا فرديًا صار سلوكًا اجتماعيًا شبه عادي، يُمارَس بلا حرج، ويُبرَّر بلا خجل.
المفارقة أن التبرير الجاهز حاضر دائمًا: “ليلة في العمر”، “ننسى الهموم”، “نعيش حياتنا”. لكن متى تحوّل الفرح إلى مادة تُبتلع؟ ومتى صار الهروب من الواقع فضيلة؟ الأخطر أن هذا القبول لم يعد مقتصرًا على فئة محددة؛ في الجامعة وجدت طلابًا يتعاطون بحجة المذاكرة أو الصحبة، وفي الطريق سائقين يبررون التعاطي بالسهر وتحمل المشقة، وفي بعض بيئات العمل تُقدَّم المخدرات كهدايا أو وسائل لقضاء المصالح. نحن أمام تطبيع شامل، لا مجرد انحراف عابر.
الأزمة ليست فقط في التعاطي، بل في الثقافة التي تحيط به. ثقافة تُجمّل الخطر وتُهوّن العواقب، وتختزل السعادة في نشوة مؤقتة. يبدأ الأمر “تجربة” بدافع الفضول أو المزاح، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى إدمان يبتلع الإرادة. في بدايته يمنح وهم السيطرة، وفي نهايته يسلب الإنسان كل شيء: صحته، ماله، أسرته، وكرامته. كم من بيت تفكك، وكم من شاب باع ممتلكاته أو استدان ليُرضي إدمانه، وكم من جريمة وُلدت من لحظة تغييب للعقل.
الأكثر خطورة أن المجتمع بات يتعامل مع الظاهرة بسطحية مزدوجة: إدانة علنية، وتسامح عملي. نستنكر في الخطاب، لكننا نغضّ الطرف في الواقع. هناك قانون، نعم، لكن هل يكفي الردع إذا غاب الوعي؟ هل الخوف من العقوبة يُصلح ما أفسدته قناعة خاطئة بأن المخدرات “تعمل دماغ” و”تنسّي الهم”؟
نحن لا نواجه مادة كيميائية فقط، بل نواجه فراغًا معنويًا وفكريًا يدفع الشباب إلى البحث عن متعة سريعة بدل معنى حقيقي. نواجه ضعفًا في التربية والمتابعة، ورفقة سوء، وحرية بلا مسؤولية، وأحيانًا فنًا يروّج دون قصد لصورة جذابة عن التعاطي. في المقابل، العالم يتسابق نحو العلم والابتكار، بينما يُستنزف جزء من طاقتنا البشرية في دوامة الإدمان.
السؤال الجوهري: كيف سمحنا أن تصبح المخدرات ضيفًا دائمًا في مناسباتنا، وشريكًا في جلساتنا، ووسيلة ترفيه مقبولة؟ المشكلة ليست في جيل بعينه، بل في منظومة قيم اختلّ توازنها. الإصلاح يبدأ بالاعتراف أن ما نراه ليس “موضة” عابرة، بل خطر استراتيجي على المجتمع.
نحتاج إلى مواجهة صادقة: وعي حقيقي لا وعظًا مؤقتًا، قدوة لا شعارات، تطبيق قانون لا انتقائية فيه، ومسؤولية أسرية وتعليمية وإعلامية متكاملة. فالمجتمع الذي يستهين بعقول شبابه، يغامر بمستقبله كله. والسعادة التي تُشترى بوهمٍ سريع، غالبًا ما تُدفع ثمنًا باهظًا في النهاية.