علي لاريجاني: رئيس إيران القادم

كتب – صموئيل العشاي:
في خضم الأزمة التاريخية التي تعصف بإيران بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، وانهيار جزء كبير من الهيكل القيادي التقليدي، لا أرى في المشهد الإيراني سوى اسم واحد يفرض نفسه بقوة: علي لاريجاني. أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي بات اليوم الشخصية الأبرز والأكثر نفوذًا في إدارة البلاد، يبرز كقائد فعلي في هذه المرحلة الحرجة. وأتوقع أن يكون رئيس إيران القادم، سواء بصورة رسمية أو كصاحب القرار الحقيقي الذي يمسك بزمام الأمور.
منذ تعيينه أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي في أغسطس 2025، ثم تصاعد دوره بشكل كبير بعد الحرب القصيرة والمدمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومقتل خامنئي في فبراير/مارس 2026، تحوّل لاريجاني إلى مركز الثقل الفعلي داخل الدولة. المجلس الانتقالي المؤقت – المكوَّن من الرئيس، ورئيس السلطة القضائية، وفقيه من مجلس صيانة الدستور – بدا إطارًا شكليًا، بينما تركزت السلطة الحقيقية، خصوصًا في زمن الحرب، في يد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. فهو الذي ينسّق مع الحرس الثوري، ويدير الردود العسكرية، ويحدد سقف التصعيد، ويرفض التفاوض مع واشنطن، مطلقًا تصريحات حادة يتهم فيها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بجرّ الشعب الأمريكي إلى «حرب غير عادلة».
في أحد تصريحاته التي انتشرت على نطاق واسع، قال لاريجاني إن ترامب، باستعراضاته إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أدخل الشعب الأمريكي في حرب غير عادلة مع إيران، وإن سقوط مئات القتلى من القوات الأمريكية خلال أيام قليلة ليس نهاية المطاف، مؤكدًا أن اغتيال خامنئي سيترتب عليه ثمن باهظ.
هذه الكلمات لم تكن مجرد خطاب تعبوي، بل عكست واقعًا جديدًا يتحدث فيه لاريجاني باسم النظام بأكمله في ظل غياب قيادة عليا موحدة. فهو لا يدير الاستراتيجية العسكرية والأمنية فحسب، بل يمسك أيضًا بخيوط المناورة السياسية، ويفتح – عند الضرورة – قنوات خلفية عبر وسطاء إقليميين.
لاريجاني ليس وافدًا جديدًا على دوائر الحكم. ينتمي إلى عائلة دينية وسياسية معروفة، وشغل مناصب رفيعة عدة، منها رئاسة البرلمان لثلاث دورات، والعمل كمفاوض نووي، وتولي وزارة الثقافة، إضافة إلى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون. عُرف داخل النظام بكونه «براغماتيًا» قادرًا على التوازن بين التيارات المتشددة والأكثر اعتدالًا. واليوم، في ظل الظروف الاستثنائية، يظهر بوجه أكثر صلابة، مع احتفاظه بخبرة سياسية تمكّنه من المناورة.
أتوقع أن هذا الرجل، بعقله الاستراتيجي وخبرته الطويلة وثقة مؤسسات النظام به، سيكون رئيس إيران القادم. وربما لا يأتي ذلك عبر انتخابات تقليدية سريعة، بل من خلال تحوّل داخلي يعيد ترتيب مراكز القوة، بحيث يصبح المجلس الأعلى للأمن القومي محور القرار الحقيقي، في صيغة قد تعجّل بنهاية الشكل التقليدي لنظام «ولاية الفقيه» كما عرفناه، أو على الأقل تعيد تعريفه.
في هذه اللحظة المفصلية، لا يلوح في الأفق بديل واضح يمتلك ما يمتلكه لاريجاني من شرعية داخلية وخبرة إدارية في زمن الحرب. سواء انتهت الأزمة بهدنة قاسية أو بتحول جذري، يبدو أن اسمه سيكون حاضرًا بقوة في الصفحة التالية من تاريخ إيران.
الأيام المقبلة كفيلة بكشف ملامح المشهد النهائي، لكن ما يبدو واضحًا الآن أن علي لاريجاني لم يعد مجرد مسؤول أمني بارز، بل أصبح – في تقديري – الشخصية الأقرب إلى تولي رئاسة إيران، وربما الرجل الذي سيقود تحولًا كبيرًا في مسار الجمهورية الإسلامية.