صموئيل العشاي يكتب: سر حربي غزة وايران هو خوف ترامب ونتنياهو خوفا من المحاكمة

لنقرأ مايحدث في المنطقة علينا فهم الاتي بهدوء:
أولاً: ترامب وقضية إبستين — الخوف الذي يُحرّك الرئيس
من يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة وتحركاته المختلفة، يلحظ بوضوح حالةً من القلق الشديد تنتابه إزاء قضية جيفري إبستين؛ تلك القضية التي باتت تُلقي بظلالها الثقيلة على مسيرته السياسية وصورته أمام الرأي العام. وللمرة الأولى في تاريخه السياسي، تبرز في هذا الملف ادعاءات صريحة تُشير إلى تورطه في التحرش بقاصرات، وهو ما يمثّل خطراً وجودياً على مستقبله.
جيفري إبستين، المليونير الأمريكي المتهم بتجنيد قاصرات وتسهيل الاستغلال الجنسي لشبكة من الأثرياء والنافذين حول العالم، كان يمتلك قوائم بأسماء عشرات الشخصيات البارزة. وبعد وفاته في ظروف غامضة عام 2019 داخل زنزانته، فُتحت أرشيفات القضية أمام الرأي العام، وتضمنت وثائق تشير إلى ترامب بوصفه أحد ضيوف إبستين المتكررين في الفترة بين أواخر الثمانينيات وبداية الألفية الثالثة.
يرى المحللون أن هذا الخوف هو ما يدفع ترامب إلى توظيف سياسة “العدو الخارجي” كأداة لصرف الأنظار؛ إذ كلما اشتدت الضغوط الداخلية، سارع إلى افتعال أزمة خارجية أو تصعيد خطابه ضد دولة بعينها. فسواء تعلق الأمر بالتهديد بضرب إيران، أو فرض عقوبات مشددة على كوبا وفنزويلا، أو إثارة قضايا الهجرة وتهديد الحلفاء التقليديين، فإن الهدف الحقيقي في كثير من الأحيان هو ملء الفضاء الإعلامي بما يُبعد الضوء عن ملفاته القانونية.
ثانياً: نتنياهو وثالوث قضايا الفساد — رئيس وزراء على حافة السجن
لا يختلف وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثيراً عن نظيره الأمريكي من حيث الضغوط القانونية، بل إن قضاياه أشد خطورة وأكثر تفصيلاً. فهو يواجه ثلاث قضايا جنائية كبرى طالما هيمنت على المشهد السياسي الإسرائيلي.
القضية 1000 — الرشوة بالهدايا
تتعلق هذه القضية بتلقّي نتنياهو وزوجته سارة هدايا فاخرة بقيمة تجاوزت 700 ألف شيكل (نحو 200 ألف دولار) من رجال أعمال أثرياء، من بينهم المنتج الهوليودي أرنون ميلتشن والمليونير الأسترالي جيمس باكر. وتقول النيابة العامة أنه قدّم في المقابل تسهيلات تجارية ومزايا ضريبية لهؤلاء المانحين، في ما يُمثّل جوهر تهمة الرشوة وخيانة الأمانة.
القضية 2000 — التواطؤ الإعلامي
تكشف هذه القضية عن مفاوضات سرية جرت بين نتنياهو وأرنون موزيس، الناشر النافذ لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، إذ يُتهم نتنياهو بمحاولة التوصل إلى تفاهم يقضي بتقليص التغطية السلبية التي توجهها الصحيفة له، مقابل توظيف نفوذه للحد من منافسة صحيفة “إسرائيل اليوم” المنافسة. وتتمحور التهمة هنا حول الاحتيال والإخلال بالثقة العامة.
القضية 4000 — التلاعب بترخيص اتصالات
تُعدّ هذه القضية الأخطر من الناحية القانونية، وفيها يُتهم نتنياهو بتقديم مساعدات تنظيمية وتسهيلات في الترخيص لشركة “بيزك” للاتصالات — التي تمتلك موقع “والا” الإخباري — مقابل تغطية إيجابية وموالية له على الموقع. وتستند النيابة إلى آلاف الرسائل ومراسلات تثبت طبيعة هذا التبادل المشبوه.
توقعات الحكم: أعلن كثير من خبراء القانون أن الأدلة المقدمة في هذه القضايا قوية بما يكفي للإيداع بالسجن. وإن صدر الحكم بالإدانة، فسيكون نتنياهو أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل يُسجَن هو وزوجته بسبب قضايا فساد، في سابقة في تاريخ الدولة العبرية.
ثالثاً: المشترك بين الرجلين — توظيف العدو الخارجي
يجمع بين ترامب ونتنياهو قاسم سياسي مشترك: لجوء كليهما إلى استحضار “العدو الخارجي” كلما اشتد الضغط الداخلي. فترامب يواجه ملفات قانونية تتصاعد وتيرتها، فيما يشعر نتنياهو بأن قاعدته الشعبية تتآكل في إسرائيل وسط موجة غضب شعبي متصاعدة على إخفاقات حكومته في ملف أسرى السابع من أكتوبر وتراجع الأداء الاقتصادي.
في هذا السياق، يتضح أن نتنياهو يصنع عدواً خارجياً متجدداً: بدأ بـ”حماس” ثم “حزب الله”، وامتد إلى “الحوثيين”، وصولاً إلى الملالي في إيران. وفي كل مرحلة، تُعيد آلة الحرب رسم خارطة الأولويات الإسرائيلية بعيداً عن الداخل المتأزم.
أما ترامب، فيبدو أنه يدرك هذه اللعبة جيداً؛ إذ يرى بعض المحللين أنه يعتقد أن نتنياهو هو من فتح ملف إبستين أمام الرأي العام العالمي في توقيت مدروس، بهدف توريط الإدارة الأمريكية عاطفياً وسياسياً في الحروب الإسرائيلية. وهذا ما يفسر المطالبات الأمريكية المتكررة بالعفو عن نتنياهو أو تسوية وضعه القانوني – وهي مطالبات ظلت تصطدم في كل مرة برفض الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ، الذي لا صلاحية دستورية له بالتدخل في الشأن القضائي وفق النظام الإسرائيلي.
رابعاً: التداعيات الإقليمية والدولية
يرى كثير من المحللين أن استمرار هذه القضايا مفتوحة يُلقي بتداعيات واسعة على استقرار المنطقة والعالم؛ فما دام نتنياهو يواجه شبح السجن، فلن يكون أمامه سوى الإبقاء على حالة الحرب المستمرة ضمانةً لاستمرار حكومته وتأجيل مصيره القضائي. وهو ما يخلق دوامة خطيرة تتشابك فيها الحسابات الشخصية للزعيم مع القرارات المصيرية للدولة.
ومن منظور أشمل، يطرح هذا المشهد تساؤلات جوهرية حول صحة الديمقراطيات الغربية حين تجد نفسها رهينة لزعماء يديرون قراراتهم الكبرى بدوافع البقاء الشخصي لا بحسابات المصلحة الوطنية.
الملاحظة العامه لأي مراقب ليس ثمة موقف قاطع في هذه المسألة الشائكة، غير أن المتأمل في المشهد يخلص إلى أن ثمة خيوطاً واضحة تربط بين الأزمات الشخصية للزعيمين وبين التصعيد المتواصل على الصعيد الدولي.
والسؤال الذي يظل معلقاً: هل تُحرّك الاعتبارات الاستراتيجية القرارات السياسية، أم أن الهواجس القانونية الخاصة هي التي باتت تُشكّل ملامح السياسة الدولية في هذه المرحلة الدقيقة؟
الإجابة عن هذا السؤال تبقى رهينة بمراقبة التطورات القادمة.