ناهد صلاح تكتب عن طارق لطفي: ممثل يبحث عن اكتماله

تلقى طارق لطفي تعليمه الفني في المنصورة، وهو ابن المدينة. ثم تخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية وأكمل لاحقاً إجازة في الإخراج من المعهد العالي للسينما. يعكس هذا التكوين المزدوج لديه رؤية شاملة للمشهد الفني، إذ لا يكتفي بتنفيذ الدور بل يقرأ البناء الدرامي للشخصية من الداخل ويعي موقعها في النسيج العام للعمل. بدأ حضوره التلفزيوني مبكراً عبر مسلسل الوسية عام 1990 وتوالت مشاركاته في أعمال بارزة مثل ليالي الحلمية عام 1992 والعائلة عام 1994 والسقوط في بئر سبع عام 1994، مع تميزه بالحضور المتزن.
التكوين الأكاديمي وبداية المسار
أبرزت بداياته الفنية وجوده القوي في أدوار تلفزيونية مبكرة وأدوار سينمائية هامة فُتحت له لاحقاً أبواب الانتشار. امتاز في تلك المرحلة بالهدوء والالتزام إلى جانب جدية الأداء، وهو ما ظهر في أعمال تمهيدية مثل دماء على الأسفلت مع عاطف الطيب وأسامة وأنور عكاشة. تميّز كذلك بقدرته على قراءة البناء الدرامي للشخصية من الداخل وربطها بسياق العمل العام.
شهدت المرحلة التالية تحوّلاً واضحاً نحو السينما الجماهيرية مع فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية (1998) الذي وفر له انتشاراً واسعاً. أضف إلى ذلك حضوره في كليب شنطة سفر، الذي أضاف صورة شاب مصرّي متوازن الحضور والقدرة على التعبير من خلال الإيحاء. ظلّ يزاوج بين أدوار الرومانسية والدراما والشخصيات المركبة، كما شهدت أعماله اللاحقة مثل الحقيقة والسراب (2003) التي اعتمدت على الصدق العاطفي بدلاً من الاستعراض. يظهر في هذه الفترة حرصه على تطوير أدواته عبر تقليل الانفعال والتركيز على التفاعل مع البناء الدرامي الكلي.
الأدوار والتأثير في السينما
مع مرور الزمن مرّ لطفي بتغيّرات فنية جعلته يقترب من الشخصيات المعقدة، خصوصاً في القاهرة كابول (2021) حيث قدم نموذجاً للشر الهادئ القائم على قناعة فكرية لا على الانفعال اللحظي. تكشف ملامحه عن قسوة منضبطة تُظهر الصراع الداخلي للشخصية أكثر من العنف الظاهر، وتظهر العيون والصمت كشركاء في الأداء. اعتمد هنا على الهدوء المحسوب ونظرات طويلة لتقويض الكراهية من الداخل وتبرير الدوافع رغم قبح الفعل. هذا اللون من الأداء جعله ضمن نخبة الممثلين الذين يتحدّون الصور النمطية للشر ويمنحون الشخصيات صدى إنسانياً معقداً.
إعادة تشكيل الهوية عبر أعمال حديثة
في جزيرة غمام (2024) جسد خلدون عبر حضور كثيف وغموض يفوق الوصف، حيث اعتمد على هدوء مريب ونبرة صوت محسوبة ونظرات طويلة تترك حالة توتر نفسي مستمرة حول الشخصية. يرى المشاهدون في هذه التجربة تأكيداً لقدرة لطفي على تقديم الشخصيات المعقدة التي تقع في منطقة رمادية بين الإيمان والسلطة والتأثير. أما دوره الحالي في مسلسل فرصة أخيرة، فيقدمه بدر أباظة كرمز للفساد المقنّع الذي يتسلل بهدوء إلى العلاقات الإنسانية. يعتمد في الأداء على تفصيلات دقيقة مثل نظرة مطوّلة وجملة قصيرة بنبرة منخفضة وابتسامة غامضة تحمل أكثر من معنى، ما يمنح الشخصية عمقاً ويبرز ثباته الحركي حتى في الصمت.