خيرية شعلان تكتب: بحبك يا ماما

ماما كانت ست ولا كل الستات؛ خلطة من الحب والقوة، الحنية والضعف، السيطرة والتفاهم، الوعي والخوف الطبيعي.

ملكت فطرة سليمة نقية، وواجهت الحياة التي فرضها عليها القدر بشجاعة لا حدود لها؛ زوجة محبة ومحبوبة، وأبناء صغار، وزوج متميز، وفجأة يخطفه الموت، فتمضي تُكمل المشوار صامدة صابرة، قانعة أنها ستصل إلى بر الأمان في نهايته.

كنت وما زلت أردد:

“والله تمثال من ذهب قليل عليكي يا ست إحسان”.

معلمتي الأولى، حامية مشواري، راعية طموحاتي، أمي وصديقتي وصاحبتي، ومن منحتني منصبها في الحياة عن طيب خاطر، حين أصرت أن نستبدل أدوارنا؛ أكون الأم وتكون الابنة. هل يستطيع أحد أن يفعل ذلك إلا الست إحسان، التي فعلت ذلك لأزداد ثقة في نفسي وأُبحر في مشوار الحياة بلا عوائق أو عقبات أو مخاوف؟

كانت تردد:

“أنتِ أمي وأنا بنتك.. لقد صرتِ بخبرتك أكثر إلمامًا مني بأمور كثيرة، أنا أتعلم منك يا خروبة”.

وماذا يكون مشواري بجانب مشوارك العظيم يا أمي؟ معلمتي الأولى تهبني أرفع الأوسمة؛ وسام الأم قبل حتى أن أصير أمًا.

ملكت ذكاءً فطريًا، وسماحة اجتماعية، وطولَة بالٍ تهد الجبال، تمكنت بها من قيادة سفينة الحياة، وهي ربانها الذي أنشأ وأسس ودعم ووجه وربّى ثمانية أبناء وحدها، بذراعها وعلى كتفها، بلا ملل أو تأفف أو هروب.

حكايتها معي وحكاياتي معها حاجة تانية؛ يُكتب فيها كتب. اختلفنا نعم، غضبت مني لا أنكر، رفضت نصائحها مرات، لكن تفاهمنا طويلًا، وخططنا كثيرًا، ورتبنا آلاف الموضوعات، وواجهنا عشرات المشاكل، واحتميت بحضنها وعقلها طول الوقت، فظلت بوصلتي الحامية في كل الظروف.

كان رفضي الزواج أعمق العقبات بيننا، وزواجي من رجائي طوق النجاة لتطمئن عليّ. وكانت علاقتها به غير كل الحموات، وتختلف عن علاقتها بكل أزواج أخواتي البنات، حتى صارت تردد في كل المناسبات أن رجائي ابنها الخامس، وزادت تعزيزًا لعلاقتهما بقولها الشهير:

“مش رجائي جوز بنتي، لكنه أقرب لي منها”.

كده برضه يا ست إحسان؟ ما إحنا كنا حبايب وأصحاب! لكن مادام الأمر يتعلق بحبك لرجائي فأنا راضية. وعلى رأي الست أم كلثوم:

“ولما أشوف حد يحبك، يحلالي أجيب سيرتك وياه”.

عشت معها بضميري، وعاشت معنا بحواسها كاملة. لم تخذلني يومًا، لم تقلل من شأني أبدًا، ولم تقصر في أمر من أموري إطلاقًا. كانت في المواقف الصعبة أشجع الداعمين، وفي مواقف الضعف أقوى المشجعين، وفي أفراحي ونجاحاتي أصدق وأول الممتنين.

أحيا بدعائك يا حبيبتي، وما زلت أسعد بذكرياتي معكِ سيدتي الغالية. لقد صنعتِ من الفسيخ شربات. لا أنكر أن ملامحك الإنسانية عششت في روحي، وخبرتك الحياتية صبغتني بألوانها المبهجة، فصرت محظوظة بصحبتك وامتصاص رحيق روحك الطيبة، وتعلم الحياة الحقة منك.

لا أدّعي أني صرت مثلك، لكني واثقة أنك وهبتِني الحياة مرتين: الأولى حين حملتِني في أحشائك حتى وعيت على الحياة، والثانية حين أحطتِني بكل ما ملكتِ من حب وعقل وهمّة، حتى وصلتُ إلى شاطئ الأمان، ومكّنتِني أن أكمل مسيرتي على خطاك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى