ناهد صلاح تكتب: كيف صاغ تامر كروان حكاية نرجس موسيقياً؟

يعلن تامر كروان عن تعاونه الموسيقي مع مسلسل حكاية نرجس، وهو عمل درامي إخراج سامح علاء يراهن على العمق النفسي والبناء الدرامي. يعكس العمل مساحةً لتكثيف التفاصيل وتجاور الصوت والصورة بصورة عضوية، وهو ما ينسجم مع أسلوب كروان في كتابة الموسيقى كجزء من الروح الإبداعية للعمل. وُلد كروان في القاهرة عام 1969، ودرس الهندسة الميكانيكية في الجامعة الأمريكية قبل أن يتجه إلى الموسيقى في الأكاديمية الملكية بلندن، ما منح تجربته توازنًا بين العقل والتحليل والتكوين الفني. عمل بين الإذاعة البريطانية والإخراج الوثائقي، ثم استقر منذ أواخر التسعينيات في التأليف للموسيقى للسينما، بدءًا من تعاونه مع المخرج يسري نصر الله في فيلم المدينة (2000)، وتجاوز إنتاجه مئة وثلاثين عملاً، ليعيد تعريف وظيفة الموسيقى داخل العمل الفني كعنصر بنيوي يشارك في تشكيل المعنى.

التعاون الموسيقي مع حكاية نرجس

تُعامل موسيقى كروان في المسلسل كجزء من النسيج الداخلي وليس كخلفية مستقلة، إذ تستخلص طبقاتها من عمق الشخصيات وتوتراتها الخفية لتنشئ جسرًا صوتيًا بين المشاهد والحبكة. يعتمد كروان على مفهوم «التنفس الموسيقي» الذي يجعل الصوت يصعد وينخفض مع انفعالات الممثلين، خصوصاً في مشاهد المواجهة الصامتة التي تعجز فيها الشخصيات عن التعبير. في تلك اللحظات لا يسعى إلى ألحان صاخبة، بل يركز على الزمن النفسي وتطويل نغمة واحدة لتعكس ثقل اللحظة كبديل للمونولوج الداخلي. هكذا يتحول الصوت إلى خيط غير مرئي يربط بين المشاهد ويمنح التجربة وحدة شعورية متماسكة.

نهج كروان الموسيقي

تظهر فلسفة كروان في تجاوره مع البناء الدرامي من خلال تجريده للموسيقى وقيوده داخل إطار سردي محدد، حيث تتجلى الحركة الصوتية كعنصر يكتسب وجوده من السياق وليس كعرض لآلة بغرض الإبهار. تتوازن المقاربة مع الأداء التمثيلي القوي، وتصبح الموسيقى شريكًا في التعبير لا مجرد دعم، وهذا واضح في التعاون مع ممثلين مثل ريـهام عبد الغفور، حمزة العيلي، أحمد عزمي، سماح أنور وغيرهم الذين يحققون اكتفاءً تعبيريًا في الإطار. يعزز ذلك إدراك كروان لنموذج “التنفس الموسيقي” بحيث تصعد النبرات وتهبط وفقًا لوتيرة التوتر الدرامي، وتستخدم لحظات الصمت كجزء أصيل من البناء الصوتي.

ذروة المشهد والتأثير العاطفي

يشهد المسلسل في مشاهد الذروة الدرامية التي تصل إلى طريق مسدود على مثال مشهد وفاة حماة نرجس وتحليل الموسيقى لدورها في إبراز وقع اللحظة وتعمقها النفسي. تتنقل الموسيقى بين الآلات المنفردة وتصل تدريجيًا إلى الأوركسترا الكاملة، ثم تنتهي غالبًا بسكتة موسيقية مفاجئة تترك المشاهد في حالة من الدهشة وتضيف طبقة شعورية مركبة من الحزن والتوتر والرهبة. يبرز بذلك تامر كروان كأحد أبرز المؤلفين الموسيقيين في المشهد السمعي البصري، حيث يحافظ على التوازن الدقيق بين الصوت والصورة ويحول الموسيقى إلى قلب العمل النابض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى