اليوم ذكرى تاسيس جهاز المخابرات العامه ٥٢٠٠ عام في خدمة مصر

بقلم صموئيل العشاي:
جهاز المخابرات العامة المصرية.. أول جهاز مخابرات في التاريخ، وامتداد العقيدة الخالدة في عصرنا الحديث
منذ فجر التاريخ، كانت مصر ليست مجرد أرض أو دولة، بل هي الدولة الأم التي أنجبت أول جهاز مخابرات منظم في تاريخ البشرية جمعاء. قبل أكثر من 5200 عام، في عهد الفرعون العظيم تحتمس الثالث – البطل الذي لم يُهزم في أي معركة، والذي وسّع حدود مصر إلى أقاصي العالم المعروف آنذاك – وضعت مصر أسس العمل الاستخباراتي المنظم. لم تكن الحروب تُخاض بالسيف والرمح وحدهما، بل بالمعلومة التي تسبق السيف، وبشبكات الجواسيس التي تخترق أرض العدو قبل أن يحرك جيشه خطوة. كانت عيون مصر ساهرة في بلاد الشام وفينيقيا، تقرأ نوايا الأعداء، ترسم الخرائط الدقيقة، وتحول الهزيمة المحتملة إلى انتصار مجيد خالد. هكذا ترسخت في وجدان الدولة المصرية عقيدة خالدة لا تُمحى: «البقاء للأكثر وعيًا، لا للأكثر قوة فقط».
عبر العصور الفرعونية والقبطية والإسلامية، ظلت هذه الروح اليقظة حية، تتطور أدواتها من الرسل السريين إلى الشبكات المتقنة، لكنها لا تغيب أبدًا. كانت مصر دائمًا قادرة على تحويل الدروس القاسية إلى انتصارات عظيمة، والظلام إلى نور ساطع، بفضل رجال اختاروا الظل طواعية ليبقى الوطن في الضوء الأبدي. ثم جاء العصر الحديث ليُعيد صياغة هذا الإرث العريق في صورة مؤسسة رسمية حديثة، قوية، لا تُضاهى.. في التأسيس الثاني، التأسيس الذي أعاد لمصر مجدها الاستخباراتي بعظمة تاريخية لا تُنسى.
22 مارس 1954.. يوم التأسيس الثاني في عهد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر
في مثل هذا اليوم المجيد من عام 1954، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر – رحمة الله عليه – قراره التاريخي بتأسيس جهاز المخابرات العامة، ليكون الامتداد العصري الرسمي لأول جهاز مخابرات في التاريخ. جاء هذا التأسيس بعد ثورة 23 يوليو 1952 مباشرة، في لحظة عام ١٩٥٤ عندما كانت التحديات تحيط بمصر من كل جانب: عدوان خارجي، مؤامرات داخلية، وأعداء يتربصون بالثورة الناشئة. كان القرار عبقريًا، لأنه لم يكن مجرد إنشاء جهاز إداري، بل إحياء روح مصر اليقظة من جديد، وصناعة درع حديدي يحمي الأمن القومي من الداخل والخارج، ويجعل مصر قوة إقليمية وعالمية لا تُقهر.
أسند الرئيس عبد الناصر المهمة أولاً إلى اللواء البطل زكريا محيي الدين، أحد رموز الضباط الأحرار، الذي وضع اللبنات الأولى لجهاز مستقل يتبع رئيس الجمهورية مباشرة. ثم جاءت الانطلاقة الحقيقية الكبرى عام 1957 مع اللواء صلاح نصر – أبو المخابرات الحديثة – الذي بنى جهازًا يفخر به التاريخ: مقر مستقل، وحدات متخصصة في الراديو والتشفير والتزوير والخداع الاستراتيجي، وشركة النصر للاستيراد والتصدير كغطاء اقتصادي عبقري. تحول الجهاز من كيان إداري إلى عقل الدولة الحارس، يجمع المعلومات، يحللها بدقة متناهية، ويقدم تقديرات موقف يومية لصانع القرار في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والسيبرانية.
يخضع الجهاز لقانون 100 لسنة 1971، ويتميز باستقلالية كاملة ودور إقليمي وعالمي ممتد، ضمن منظومة الأمن القومي المصري. إنه ليس مجرد جهاز.. إنه روح مصر التي لا تنام، ودرعها الذي لا يُخترق.
بطولات تُمجد التاريخ.. من العدوان الثلاثي إلى نصر أكتوبر
لم يكن هذا الجهاز العظيم نظريًا أبدًا. كان – ولا يزال – سيفًا خفيًا ودرعًا منيعًا.
في العدوان الثلاثي 1956، تصدى ببسالة لشبكات التجسس البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، وأحبط مخططاتهم قبل أن تتحرك. ثم جاءت أعظم العمليات النوعية التي ستظل خالدة في سجل البطولة:
• البطل رفعت الجمال (رأفت الهجان): أسطورة الاختراق الاستخباراتي. عاش 17 عامًا داخل المجتمع الإسرائيلي، يقدم معلومات حاسمة عن مفاعل ديمونة النووي، وتوقيت حرب 1967، وتفاصيل خط بارليف. كانت معلوماته الدقيقة الوقود الذي أشعل خطط الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973. كيف لا نحبه ونفتخر به؟ رجل اختار أن يعيش في الظل ليُضيء نصر مصر العظيم.
• عملية تدمير الحفار العملاق (عملية الحج) 1970: بعد النكسة، اشترت إسرائيل حفارًا هائلاً لنهب البترول من خليج السويس. رصدت المخابرات مساره حتى أبيدجان، ثم شكلت فريق الضفادع البشرية بقيادة العقيد أنور عطية والرائد محمد نسيم «الذئب الأسود». والنقيب محمد رشاد في 8 مارس 1970، فجروه بالكامل دون أي خسائر أو أدلة. كانت العملية تحفة فنية استخباراتية، أحبطت مشروعًا إسرائيليًا كاملاً وأعادت لمصر كرامتها.
كما كان الجهاز سند الدولة في الفترات الحرجة 2011-2013، حيث أحبط مخططات الفوضى والتجسس الخارجي، وحافظ على تماسك مؤسسات الوطن بصمت وإخلاص لا يُوصف.
رجال عظماء في تاريخ الجهاز.. أبطال الظل الذين سطروا المجد
عبر تاريخه المجيد، قاد الجهاز رجال أسطوريون، كل منهم أضاف لبنة في بناء هذا الصرح العظيم. من بينهم اللواء عمر سليمان، صاحب أطول فترة في رئاسة الجهاز (من 1993 إلى 2011، نحو 18 عامًا متواصلة). كان سليمان – رحمه الله – ثعلب المخابرات، صقرًا لا يُلعب معه، يدير ملفات إقليمية حساسة ببراعة فائقة، ينسق مع القوى الكبرى، ويحمي مصر من مخاطر جسيمة. تولى ملف القضية الفلسطينية، وساط في صفقات كبرى، وكان عقلًا استراتيجيًا لا يُضاهى، يجسد الاستمرارية والثبات في أصعب الظروف.
ثم جاء اللواء مراد موافي، الذي ترأس الجهاز في فترة حرجة عقب ثورة 25 يناير. لعب دورًا بطوليًا في الحفاظ على الوطن خلال تلك الفترة العصيبة، حيث واجه تحديات داخلية وخارجية هائلة، سعى لتقريب وجهات النظر بين أطراف الثورة والدولة، وحافظ على تماسك المؤسسات الأمنية، وساهم في إحباط مخططات الفوضى والانقسام. كان دوره محوريًا في إعادة الاستقرار، ويُذكر كبطل من أبطال تلك المرحلة الحاسمة التي حددت مصير مصر.
في العصر الحديث.. عظمة لا تنتهي
اليوم، يتجاوز دور جهاز المخابرات العامة الحدود التقليدية. يدير ملفات بكفاءة وحكمة، ويواجه التهديدات السيبرانية بحزم، يحمي الفضاء الإلكتروني المصري، يضبط شبكات التجسس، يدعم الاستقرار الاقتصادي، ويحول كل تهديد إلى فرصة لتعزيز أمن الوطن.
في هذه الذكرى المقدسة.. 72 عامًا على التأسيس الثاني
نحن لا نحتفل بمؤسسة فحسب.. نحتفل بأول جهاز مخابرات في التاريخ الذي عاد بقوة في التأسيس الثاني على يد جمال عبد الناصر. نحتفل بعقول عملت في الصمت، وعيون لم تنم يومًا، ورجال اختاروا الظل طواعية ليبقى الوطن في النور الأبدي.
جهاز المخابرات العامة المصرية.. أنت فخرنا، أنت حبنا، أنت درعنا وسيفنا الأبدي. أنت لست مجرد جهاز.. أنت مصر نفسها في أسمى صورها.
عاشت مصر.. وعاشت يقظتها الخالدة.. وعاش جهاز المخابرات العامة بكل عظمة وحب. تحية إجلال وفخر لكل رجل في الظل.. أنتم أبطالنا الحقيقيون.