رحيل هالة مصطفى.. فكّكت الإسلام السياسيبقلم – صموئيل العشاى:في صباح الثلاثاء 31 مارس 2026، انتقلت إلى رحمة الله الدكتورة هالة مصطفى، أستاذة العلوم السياسية والخبيرة البارزة بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، بعد معاناة قصيرة مع المرض . رحيلها يمثل خسارة فادحة للساحة الفكرية المصرية والعربية ، إذ كانت واحدة من أبرز الباحثات اللواتي رفضن الشعارات العاطفية والخطاب الديني المباشر في مواجهة الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة ، مفضلةً العلم الرصين ، التحليل التاريخي الدقيق ، والمنطق النقدي.لم يكن عملها نظرياً ؛ بل كانت باحثة جريئة دخلت السجون وقابلت قيادات التنظيمات المتطرفة لتفهم آليات بناء الخطاب المتطرف من الداخل، ثم خرجت لتفككه علمياً وتقدم حلولاً عملية مبنية على الواقع المصري والعربي.ولدت هالة مصطفى في بيئة أكاديمية ، تخرجت من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ثم التحقت مبكراً بمؤسسة الأهرام العريقة . تدرجت في المناصب البحثية حتى أصبحت رئيسة وحدة النظم السياسية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، ورأست تحرير مجلة “الديمقراطية” التي حوّلتها إلى منبر فكري رصين يناقش الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي بموضوعية نادرة.كما شغلت سابقاً رئاسة تحرير مجلة “السياسة الدولية”، وساهمت بمقالات ودراسات في الصحف والدوريات المصرية والعربية والدولية حول الديمقراطية ، الإسلام السياسي ، والتطرف . كانت جزءاً من جيل متميز في مركز الأهرام جعل المركز منارة فكرية إقليمية ، كما نعتها زملاؤها مثل الدكتور عبد المنعم سعيد .كتابها الرائد: ” الإسلام السياسي في مصر.. من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف ” – تفكيك تاريخي عميق لـ “الانكسار” و”سيرورة التحول”.
يعد كتابها الأشهر “الإسلام السياسي في مصر: من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف “، (صدر عن مركز المحروسة عام 1992، وطبع عدة مرات) – الذي كان أساس رسالتها للدكتوراه – مرجعاً أساسياً في الدراسات السياسية العربية، اعتمدت فيه الدكتورة هالة منهجية ” تفكيكية مركبة ” تجمع بين الاستقصاء التاريخي والتحليل الوظيفي والاجتماعي – الأنثروبولوجي . لم تكتفِ برصد الأحداث كوقائع مجردة ، بل تتبعت ” سيرورة التحول ” الجذري في الخطاب الإسلامي: من ” النزعة الإصلاحية التوفيقية ” في عصر النهضة (التي سعت لمصالحة الإسلام مع الحداثة) إلى ” النزعة الصدامية ” التي تبنتها جماعات العنف.
في المقدمة، تستعين بآراء كبار المفكرين والباحثين في التاريخ المصري الحديث لتجيب على أسئلة جوهرية تحير المجتمع: ” لماذا تتخذ في الغالب حركات الاحتجاج الاجتماعي في مصر طابعاً دينياً رغم أسبابها السياسية والاجتماعية، ولماذا لا تتحول جماعات العنف الإسلامية من جماعات محدودة إلى حركة جماهيرية واسعة؟ “.
وتجيب بتحليل عميق لـ ” الشخصية المصرية “: النزعة الدينية الفردية العملية، والتدين الوسطي الخالي من التعصب والمذابح الطائفية، والتوافق بين الإسلام والمكونات الحضارية المصرية القديمة. أكدت أن ” الإسلام في الوعي المصري لم يشكل انقطاعاً حضارياً، بل تكاملاً مع نزعة الفلاح المصري نحو الاستقلال الشخصي في الإيمان ” . فالبعد الديني العميق يفسر الطابع الديني للاحتجاجات، بينما الطابع الفردي والعملي للتدين يمثل عائقاً أمام انتشار الإسلام السياسي الراديكالي على نطاق جماهيري واسع.
ركزت على ثلاث محاولات إسلامية كبرى في التاريخ المصري الحديث: الفكر الإصلاحي (جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده)، ثم حركة الإخوان المسلمين (التي اعتبرت تأسيسها عام 1928 ” انكساراً تاريخياً ” حول الخطاب من الإصلاح إلى المواجهة)، ثم جماعات العنف . عن الأفغاني، كتبت: ” تناقضات الأفغاني السياسية كانتْ سببًا فى قلة الاستشهاد به كمصلح ديني “، مشيرة إلى أنه ” اشترط توافقه مع الشريعة الإسلامية ” وروّج لـ ” الجامعة الإسلامية التي تؤدي إلى نفي الولاء الوطني “. وأضافت أن دوره في معاداة الاستعمار جعله أقرب إلى السياسي المناضل منه إلى المفكر المصلح الديني. أما محمد رشيد رضا، فوصفته بأنه يرى ” تأخر المسلمين يرجع إلى ابتعادهم عن دينهم ” ويطالب بـ ” تقنين تشريع مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية “.
هذا التحول البنيوي – الذي غلّب الهوية الدينية على الرابطة الوطنية – مهد التربة لظهور الإخوان كحركة تنظيمية، ثم امتد إلى جماعات العنف كامتداد جوهري لخط الإخوان رغم الفروقات. الكتاب لا يصف الظاهرة فحسب، بل يقدم “حل المشكلة” من خلال فهم الجذور الاجتماعية والسياسية، مؤكداً أن مواجهة التطرف تحتاج إلى إصلاح سياسي وتعليمي يعزز الوعي النقدي والدولة الديمقراطية القوية.
الإسلام والغرب: من التعايش إلى التصادم .. رؤية حضارية للعلاقة المعقدة
في كتابها الإسلام والغرب: من التعايش إلى التصادم الصادر عام 2002، في 123 صفحة ، توسعت الدكتورة هالة في تحليل تأثير الحضارة الغربية على الشرق الإسلامي منذ الحملة الفرنسية ، ورصدت تحول العلاقة من مرحلة التعايش إلى التصادم . ركزت على دور بعثات الطلاب إلى أوروبا في النهضة، وكيف استغلت بعض الحركات الإسلامية هذا التصادم لتعزيز سرديتها المتطرفة.
الكتاب يقدم رؤية تاريخية معمقة تُظهر كيف أصبح الغرب – بحضارته المتفوقة واستعماره – مصدراً للتوتر الذي غذى النزعة الصدامية داخل الخطاب الإسلامي السياسي، مع الدعوة إلى مواءمة بين الأصالة والمعاصرة بدلاً من الرفض الكامل أو الاستسلام.
الدولة والحركات الإسلامية المعارضة .. نقد لعلاقة المهادنة والمواجهة
أما ” الدولة والحركات الإسلامية المعارضة ” أو (النظام السياسي والمعارضة الإسلامية في مصر) الصادر عام 1996م، يدرس علاقة الدولة بالحركات الإسلامية بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات ومبارك. قدمت رؤية نقدية لكيفية استغلال هذه الحركات الفراغات السياسية والاجتماعية، محذرة من أن الخلط بين الدين والصراع على السلطة يعيق الحداثة السياسية . الكتاب يفكك آليات الاستقطاب ويؤكد أن الاستقرار يتطلب تنظيم وجود هذه القوى داخل إطار ديمقراطي يمنع الهيمنة أو الإقصاء .
لم تكتفِ بالكتب.. دخلت السجون لتفهم
ما يميز إرث د. هالة أنها لم تقتصر على التحليل النظري. بل دخلت السجون وقابلت قيادات كثيرة من التنظيمات المتطرفة، جلست معهم، استمعت إلى سردياتهم ، ورصدت كيف يبنون خطابهم على الاستغلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي. حولت هذه التجربة إلى دراسات علمية تفكك الجذور وتقدم ” حل المشكلة “: بناء دولة ديمقراطية قوية، إصلاح التعليم لتعزيز الوعي النقدي، ونموذج تنموي يمنح الشباب بديلاً عن العنف.
أكدت أن مواجهة التطرف تتطلب تغييراً جذرياً في الفكر، لا مجرد برامج توبة أو مواجهة أمنية وحدها. في مقابلاتها، قالت: ” نحتاج حقاً إلى إصلاح الخطاب الديني… وأيضاً تنظيم وجود هذه القوى السياسية [الإسلامية] في حياتنا… وكيف تدخل الساحة السياسية قبل أن نصل إلى خيار ثيوقراطي”. وحذرت في مقال عام 2019 م” لماذا تفشل الديمقراطية في العالم العربي؟” : عندما تسقط الأنظمة يحدث فراغ في السلطة… فالقوة السياسية المنظمة مثل القوة الإسلامية هي من تُسرع بالهيمنة… وتنجح في الوصول إلى السلطة، ثم ما تلبث بممارسة عملية الإقصاء.
إرث يتجاوز الرحيل.. صوت هادئ في زمن الضجيج
رحيلها اليوم يترك فراغاً كبيراً في زمن الضجيج الإعلامي والشعارات الفارغة. كانت صوتاً هادئاً حاد التحليل، تبحث عن الحقيقة لا الشهرة أو المناصب. في زمن يغلب فيه الاستقطاب، قدمت نموذجاً للباحثة الميدانية التي تواجه التطرف بالعلم والمنطق، لا بالعواطف أو الشعارات.
رحم الله د. هالة مصطفى فقد مصر خسرت قامة فكرية نادرة، لكن فكرها في مواجهة الإسلام السياسي والتطرف سيظل يُدرس ويُستلهم لأجيال.