صموئيل العشاي يكتب: السلام قادم.. رغم أنف أمريكا وطهران وتل أبيب

في عالم غارق في الحروب بالوكالة والضربات المباشرة، يظل السلام ليس مجرد أمل، بل قدرًا محتومًا. لا ترامب ولا نيتنياهو وخامنئي يستطيعون منعه.
الحرب التي اندلعت في فبراير 2026 – سواء بالصواريخ الأمريكية الإسرائيلية على إيران أو بالعقوبات الخانقة التي ستنتهي بشكل أسرع مما يتخيّل المتشددون في واشنطن أو قم أو تل أبيب. لان السلام ليس خيارًا، بل نهاية حتمية للامر.
أمريكا التي تتغنى بالديمقراطية وهي تشن حروبًا وتفرض عقوبات وتُجوّع شعوب، لم تتعلم من فشلها في العراق وأفغانستان. وتصر على إدارة سياسة خارجية مبنية على الضغط والتهديد والضربات العسكرية، كما حدث في الهجوم المشترك مع إسرائيل على إيران، وتعتقد أنها تستطيع إسقاط أنظمة بالحصار الاقتصادي أو القصف.
لكن الواقع يصرخ: أمريكا خسرت. خسرت هيبتها، خسرت مصداقيتها، وخسرت قدرتها على فرض إرادتها.
اليوم تتظاهر بالقوة وتهدد بإنهاء ما تبقى من إيران، ولكنها ستعود غدًا وتجلس من جديد على طاولة المفاوضات مضطرة، لأن الشعب الأمريكي نفسه بدأ يسأل: لماذا ندفع ثمن حروب لا تنتهي وأسعار ترتفع بسبب حماقة الإدارة.
وإسرائيل نيتنياهو، تحولت إلى آلة حرب دائمة لتنفيذ جنون نيتنياهو، لم تكتفِ بابادة غرزة والمشاركة في الهجوم على إيران، بل تواصل ضرباتها على “حزب الله” حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار الهش في 8 أبريل. وجنون نيتنياهو جعله يراهن على استمرار الازمة ليبقى في السلطة، ويرفض أي هدنة حقيقية، معتبرًا أن أي سلام يهدد “توازن القوى” وصار نيتنياهو محرك في حروب الوكالة ومنع أي تقارب يخفف من معاناة المنطقة.
أما إيران، فالمشكلة أكبر. لأنها ليست دولة عادية، بل دولة يحكمها رجال دين يؤمنون أنهم يملكون الحقيقة المطلقة. سبعة وأربعون عامًا من الثورة الدينية حولت المجتمع الإيراني إلى نسخة مكررة من عقلية “المرجعية” التي تأمر وتُفسّر وتُملي. رجل الدين يجيد الخطابة في المسجد، لكنه لا يفقه في الدبلوماسية.
عالم السياسة لا يمكن أن يُدار بالفتاوى والتكفير والإيمان ب “الحق الإلهي”. والنتيجة؟ فشل ذريع في كل هدنة، كما حدث في مفاوضات إسلام آباد يوم 11 أبريل 2026، حيث رفضت إيران مقترحات أمريكية وأصرّت على شروطها الـ10، بينما أمريكا رفضت الحديث في الملف النووي، ورفع العقوبات الكامل. كلما اقتربت المفاوضات من اتفاق، عاد رجال الدين يخدعون الناس ب ” الصمود الأسطوري” الذي لن يطعم الشعب الإيراني الجائع، أو باستمرار دعم الميليشيات التي تُشعل النار في لبنان واليمن.
لذلك أقولها بصراحة قاسية: إيران تحتاج اليوم إلى فريق دبلوماسي محترف، لا إلى لجنة من العمائم. نعم تحتاج إلى استيراد سياسيين من الخارج يفهمون فن الضغط والتنازل المتبادل، لا إلى رجال دين يعتقدون أن التنازل خيانة.
آن الأوان أن يستيقظ الإيرانيون ويطالبوا بأن يُدار ملفهم النووي والإقليمي بأيدي محترفي السياسة، لا بأيدي من يظنون أن الله يُملي عليهم شروط الاتفاق.
والمفاوضات التي تعثرت اليوم في إسلام آباد؟ لا تخدعوا أنفسكم. التعثر ليس انهيارًا نهائيًا، بل ضغط متبادل. أمريكا تريد تفكيك البرنامج النووي بالكامل، إسرائيل تريد استمرار الضربات لـ”تغيير التوازن”، وإيران تريد رفع العقوبات دون أن تفقد ماء وجهها أو سيطرتها على المضيق.
هذه لعبة كراسي موسيقية سياسية. السلام سيأتي، لأن الاقتصاد الإيراني المنهار لا يحتمل، ولأن الشعب الأمريكي لم يعد يريد حروبًا جديدة ترفع أسعار الوقود، ولأن إسرائيل نفسها لا تستطيع تحمل حرب إقليمية مفتوحة إلى الأبد، ولأن المنطقة برمتها تعبت من الدم والدمار.
أيها الإيرانيون، استفيدوا من خبرات السياسيين الخارجيين قبل فوات الأوان. اتركوا رجال الدين للمساجد، واتركوا السياسة لمن يعرفون كيف تُدار الدول في القرن الحادي والعشرين.
السلام ليس ضعفًا، بل انتصار للشعب الإيراني وللشعوب العربية التي دفعت ثمن حروب الوكالة.
أمريكا ستُهزم في غرورها الإمبراطوري.
إيران ستُهزم في جمودها الديني.
إسرائيل ستُهزم في عدوانها المستمر الذي يعيق أي سلام إقليمي.
والسلام.. سيُهزم كل من يقف في طريقه.
السلام قادم. والذين يراهنون على استمرار الحرب هم الخاسرون الأكبر.