محمود محيي الدين: الصراعات الإقليمية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وتضغط على أسواق الطاقة والغذاء.. ومصر ضمن الدول المتأثرة

في قراءة تحليلية موسعة لتداعيات الصراعات الجيوسياسية الراهنة، حذر المبعوث الخاص للأمم المتحدة الدكتور محمود محيي الدين من أن التوترات الممتدة في الإقليم، وما يرتبط بها من تفاعلات دولية، باتت تشكل عاملًا رئيسيًا في إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي، مع تأثيرات مباشرة على أسواق الطاقة والغذاء، وانعكاسات محتملة على الاقتصاد المصري.

وأوضح محيي الدين أن الصورة الكلية للصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لا تزال غير مكتملة من حيث مآلاتها النهائية، مشيرًا إلى أن القرارات الحاسمة في هذا الملف ما زالت بيد القوى الفاعلة، في ظل تصاعد ما وصفه بصراع النفوذ بين القوى الكبرى، والذي يتجاوز حدود المواجهات العسكرية التقليدية.

وأشار إلى أن العالم يشهد تحولًا في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم تعد الأدوات العسكرية وحدها هي الحاكمة، بل امتدت لتشمل أدوات اقتصادية أكثر تعقيدًا، من بينها تقييد التجارة الدولية، وعرقلة تدفقات الاستثمار، وفرض قيود على نقل التكنولوجيا، في إطار منافسة استراتيجية متصاعدة، تتصدرها حالة التنافس بين الولايات المتحدة والصين.

الطاقة محور الصراع العالمي

وأكد المبعوث الأممي أن قطاع الطاقة يمثل أحد أهم محاور هذا الصراع، لاسيما في منطقة الخليج ومضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز عالميًا، موضحًا أن أي اضطراب في هذه المنطقة لا يقتصر تأثيره على أسعار الطاقة فقط، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، والصناعات المرتبطة بها مثل الأسمدة والإنتاج الزراعي والغذائي، وهو ما ينعكس بشكل أكبر على الدول منخفضة الدخل.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار والتقلبات في أسواق الطاقة والغذاء من شأنه أن يفاقم الأعباء على الفئات الأكثر احتياجًا، حيث قد يصل إنفاق بعض الأسر في الدول النامية على الغذاء إلى نحو 50% من دخلها، ما يعزز من حدة الأثر الاجتماعي للأزمات العالمية.

تأثيرات ممتدة على النمو العالمي والاقتصادات الناشئة

وفيما يتعلق بالآفاق الاقتصادية، قارن محيي الدين الوضع الحالي بأزمات الطاقة التاريخية، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تمثل نقطة تحول قد تمتد تداعياتها لفترة تتراوح بين 8 إلى 12 شهرًا، مع احتمالات تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مستويات التضخم.

وأشار إلى أن الاقتصاد المصري سيكون ضمن الاقتصادات المتأثرة بهذه التطورات، خاصة في ظل ارتباطه بأسواق الطاقة والغذاء، ما يستدعي – بحسب تعبيره – تعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتقليل الاعتماد على الأسواق شديدة التقلب.

الطاقة المتجددة ومحطة الضبعة في صدارة الحلول

ودعا محيي الدين إلى تسريع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، مع تحسين كفاءة الاستهلاك، مشيرًا إلى أهمية وصول مصر إلى نسبة تقارب 42% من مزيج الطاقة من المصادر المتجددة خلال المرحلة المقبلة.

كما أكد أن محطة الضبعة النووية تمثل خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز أمن الطاقة في مصر، وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية، في ظل تقلبات الأسواق العالمية.

أمن قومي اقتصادي متعدد الأبعاد

وحدد المبعوث الأممي أربعة محاور رئيسية للأمن القومي الاقتصادي، تشمل أمن الطاقة، وأمن المياه، وأمن الغذاء، إلى جانب السيادة التكنولوجية، مشيرًا إلى أن هذه العناصر باتت تشكل منظومة مترابطة في ظل الاقتصاد العالمي الجديد.

كما لفت إلى تصاعد الدور الاقتصادي للصين في النظام العالمي، مع ظهور أدوات مالية جديدة مرتبطة باستخدام العملة الصينية في بعض التعاملات الخاصة بقطاع الطاقة.

دعوة لإصلاح النموذج الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص

وفي سياق حديثه عن السياسات الاقتصادية، انتقد محيي الدين الاعتماد المتزايد على القروض باعتبارها بديلًا عن جذب الاستثمارات المباشرة، معتبرًا أن ذلك يشكل عبئًا على المدى الطويل ويقيد حركة الاقتصاد.

ودعا إلى توسيع دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي، وتقليص هيمنة الدولة على بعض الأنشطة الإنتاجية، مع التوسع في الشراكات مع القطاع الخاص بدلًا من الاعتماد المستمر على التمويل بالديون، حتى وإن كانت ميسرة.

وأكد أن القطاع الخاص أكثر قدرة على تحفيز الإنتاج وزيادة التنافسية، في حين أن استمرار بعض الكيانات العامة في إنتاج سلع منخفضة الطلب يمثل تحديًا هيكليًا يحتاج إلى إعادة تقييم.

نحو مرحلة إصلاح مؤسسي أعمق

واختتم محيي الدين بالتأكيد على وجود نماذج تنموية ناجحة في مصر يمكن البناء عليها، مثل المناطق الاستثمارية، داعيًا إلى تبني إصلاحات مؤسسية أعمق تعزز كفاءة صنع القرار الاقتصادي، وتمكن القطاع الخاص من قيادة النمو خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن استدامة التنمية ومواجهة الصدمات الخارجية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى