كيف تحول القلق المشترك إلى حرب؟ قراءة في العلاقة بين ترامب والسعودية تجاه إيران

في السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط بشكل لافت، وبرزت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران كأحد أهم محاور المشهد. ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2017 (ثم عودته للرئاسة لاحقًا)، اتخذت واشنطن نهجًا أكثر حدة تجاه طهران، تُوِّج بسلسلة من الضغوط والعقوبات، وأحيانًا ضربات عسكرية محدودة. لكن هذا التصعيد لم يكن معزولًا عن حسابات إقليمية أوسع، وفي مقدمتها الموقف السعودي.
بدأ التقارب الواضح مبكرًا في مايو 2017، خلال أول زيارة خارجية لترامب كرئيس، والتي اختار أن تكون للرياض. هناك وقّع الرئيس الأمريكي وملك السعودية سلمان بن عبد العزيز اتفاقًا تاريخيًا لصفقات أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار فورية (وقد تصل إلى 350 مليار دولار على 10 سنوات)، شملت دبابات وأنظمة دفاع جوي وصواريخ وتقنيات إلكترونية. وصف البيت الأبيض الصفقة بأنها “الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة”، وأكد وزير الخارجية ريكس تيلرسون أنها تهدف إلى مواجهة “النفوذ الخبيث لإيران” وحماية أمن الخليج.
تنظر المملكة العربية السعودية إلى إيران باعتبارها المنافس الإقليمي الأبرز، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا عسكريًا وأيديولوجيًا. ومع تنامي نفوذ طهران في سوريا والعراق واليمن (عبر الحوثيين)، تصاعد القلق في الرياض من اختلال ميزان القوى. هنا التقت المصالح مع إدارة ترامب، التي تبنّت رؤية قائمة على “الضغط الأقصى” لكبح التمدد الإيراني.
بلغ هذا التقارب ذروته في مايو 2018، عندما أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. رحبت السعودية بالقرار بحماس شديد، وقالت وزارة الخارجية السعودية إن المملكة “تدعم وترحب” بالخطوات الأمريكية لإعادة فرض العقوبات الاقتصادية، معتبرة إياها ضرورية لمواجهة البرنامج النووي والصاروخي الإيراني ودعم طهران للميليشيات. كما التزمت السعودية والإمارات بزيادة إنتاج النفط لتعويض أي نقص ناتج عن حرمان إيران من إيراداتها النفطية، مما ساعد في تطبيق الضغط الاقتصادي.
هذا التقاطع في الرؤى خلق حالة من التنسيق غير المعلن في كثير من الملفات. فواشنطن رأت في السعودية شريكًا إقليميًا قادرًا على دعم استراتيجيتها، بينما وجدت الرياض في ترامب قائدًا أكثر استعدادًا لاتخاذ مواقف صارمة مقارنة بالإدارات السابقة.
لم يكن الأمر مجرد تقارب سياسي، بل شمل أيضًا تفاهمات اقتصادية وأمنية عززت هذا الاتجاه، بما في ذلك الدعم الأمريكي المستمر للتحالف السعودي في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران.
أما عن التصعيد العسكري، فيُنظر إليه في بعض التحليلات كجزء من محاولة أوسع للحد من قدرات إيران. في 14 سبتمبر 2019، تعرضت منشآت أرامكو في بقيق وخريص لهجوم بطائرات مسيّرة وصواريخ كروز أدى إلى توقف نصف إنتاج النفط السعودي مؤقتًا. اتهمت الولايات المتحدة (عبر وزير الخارجية مايك بومبيو) والسعودية إيران مباشرة بالهجوم، رافضة ادعاء الحوثيين، ووصف ترامب الوضع بأنه “مُحرَّك وجاهز للرد”.
ثم جاءت الضربة الأكثر دراماتيكية في 3 يناير 2020، باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في غارة أمريكية ببغداد. كانت هذه الخطوة جزءًا من حملة “الضغط الأقصى”، وإن كانت الرياض قد دعت رسميًا إلى ضبط النفس، إلا أن وسائل الإعلام السعودية ومسؤولين بارزين اعتبروها “عمل بطولة” أو “صحوة” ضرورية ضد النفوذ الإيراني.
هذه الملفات تمثل مصدر قلق دائم لدول الخليج، التي تخشى من تحول إيران إلى قوة نووية قادرة على فرض واقع جديد في المنطقة. في هذا السياق، لم تعد المواجهة مجرد خلاف ثنائي بين واشنطن وطهران، بل أصبحت انعكاسًا لتشابك مصالح وتحالفات إقليمية ودولية. فالسعودية، كحليف رئيسي للولايات المتحدة، تدرك أن أي تغيير في موازين القوة قد ينعكس مباشرة على أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي، خاصة في ظل اعتماد المنطقة على استقرار أسواق الطاقة.
ومع اندلاع الحرب الحالية في 28 فبراير 2026 (عملية “Epic Fury” الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران)، تحول هذا القلق المشترك إلى مواجهة مباشرة. ردّت إيران بمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل وقواعد أمريكية في دول الخليج، مع إصرار واضح على توجيه ضرباتها نحو الرياض بزعم استهداف المقار العسكرية الأمريكية.
كان أبرزها قصف قاعدة الأمير سلطان الجوية وهي القاعدة المشتركة بين القوات السعودية والأمريكية وهو الأمر الذي أدى إلى إصابة عشرات الجنود الأمريكيين وتدمير طائرات رادارية وتزويد وقود.
أكدت طهران مرارًا أن الضربات “مشروعة” لأنها تستهدف الوجود العسكري الأمريكي فقط، ودعت الرياض علنًا إلى “طرد القوات الأمريكية” لتجنب أي تورط، محذرة من أن أي استخدام للأراضي الخليجية في الهجوم على إيران سيجعلها هدفًا. امتدت الضربات أيضًا إلى منشآت طاقة ومطارات في السعودية ودول خليجية أخرى، مما أدى إلى إصابات وأضرار اقتصادية كبيرة، وأجبر المنطقة على إغلاق جزئي لمضيق هرمز.
في خضم هذه الحرب الحالية، أصبح من الواضح أن أي مفاوضات مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة يجب أن تشمل السعودية بشكل أساسي. فالمملكة، التي عانت مباشرة من الضربات الإيرانية، وأن أي تسوية نووية أو أمنية لا تضمن أمن الخليج ستكون ناقصة وغير مستدامة. دعت الرياض إلى وقف شامل للهجمات على الدول غير المعنية مباشرة، وأعربت عن ترحيبها بأي هدنة (مثل اتفاق وقف إطلاق النار لأسبوعين في أبريل 2026)، مطالبة بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان أمنها القومي ضمن أي حوار أمريكي-إيراني. هذا الإصرار يعكس تحول القلق المشترك من مجرد تنسيق سياسي إلى ضرورة استراتيجية لتجنب تكرار التصعيد.
في النهاية، يمكن فهم هذا التصعيد باعتباره نتاجًا طبيعيًا لتلاقي المخاوف والمصالح. فحين يجتمع القلق الأمني (النووي والصاروخي والوكلاء) مع الإرادة السياسية (صفقات الأسلحة والعقوبات والضربات المحدودة ثم الحرب المباشرة)، تتشكل استراتيجيات قد تبدو حادة، لكنها في نظر أصحابها ضرورية للحفاظ على التوازن. ومع ذلك، تبقى هذه المعادلة مفتوحة على احتمالات متعددة، في منطقة لا تزال تحكمها تعقيدات الجغرافيا والسياسة معًا – وتتطلب الآن إشراكًا سعوديًا فاعلًا لتحويل الصراع إلى سلام دائم.